The Free Men We Are

4 يوليو 2009

رد على مدونة متابعات عقبة: إزهاق الأرواح ليس قضية تافهة

هاجمت مدونة عقبة بشدة الحراك الاجتماعي الذي نشأ ضد مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية حتى أنه وصفها بالـ “الجمل الذي تمخض فأنجب فأرا”ً.

أولاً وقع عقبة أثناء نقاشة في عدة أخطاءً تقنية كبيرة ربما يكفي ذكرها لنسف كل الأساس الذي قامت عليه تدوينته

-          خلط المادة 548 المقبورة من قانون العقوبات مع مسودة قانون الأحوال الشخصية. فالأول لا دخل له بالآخر بأي شكل من الأشكال. فهذه المادة تحل القاتل من العقوبة في حال ما يسمى زوراً “الشرف”. أما قانون الأحوال الشخصية فهو مخصص لمعالجة أحوال الزواج وما ينتج عنه في كافة المجالات ولا علاقة له لا بالقتل ولا بالشرف.

-          ما تم تعديله ليس مسودة مشروع الأحوال الشخصية بل هو تحديداً المادة 548 من قانون العقوبات.

-          أما مسودة القانون فلم تقبل لا شكلاً ولا مضموناً، أي أنها رفضت.

-          الحراك الذي حدث مؤخراً لم يكن ضد جرائم الشرف بل ضد مسودة المشروع وكان ذلك بسبب خطورة تبني مثل هكذا مشروع وسوف آتي على ذلك لاحقاً، أما فيما يخص جرائم الشرف فهناك حملة مستمرة ضد المادة الملغاة 548 ولكنها لم تكن يوماً بهذا الزخم والتكثيف.

فيما يخص المادة 548:

عبر الجميع برأيه صراحة أن التعديل الذي حدث رغم احتوائه على إيجابيتين فإنه غير كاف، ولكن هناك مكسب جزئي لا نستطع إنكاره بقولنا أن “النتيجة أقل من صفر”.

والأهم من ذلك فإن إزهاق أرواح ما يعادل 300 امرأة وفتاة سنوياً في سوريا وحدها تحت ستار الشرف ليس بالـ “القضية التافهة” أبداً كما وصفها عقبة. لم ولن تكون الأرواح أرخص من حرية سجناء الرأي، ولن تكون أرخص من لقمة العيش ولن تكون أرخص الحريات السياسية والعامة والفردية، ولن تكون أرخص من المليارات مهما كثرت التي يسرقها مسئولو السلطة والنظام. الإنسانية لا تتجزأ، إن اعتبرنا أن الدفاع عن هذه الأرواح هو “قضية تافهة” فلا أستطيع ضمان النوايا من معارضة النظام والمطالبة بالسلطة حينها!

فيما يخص مسودة قانون الأحوال الشخصية:

مرة أخرى يعي الجميع أن ما حدث من رفض مسودة هذا القانون ليس آخر المطاف وليس المكسب النهائي في طريق إقرار قانون يساوي بين جميع المواطنين، بل كان هناك وعي واضح أن هذه أول جولة في المعركة، وأن هناك احتمال قوي أن يكون الرفض مجرد مناورة لاحتواء هذا الحراك الجماعي الذي هو أكثر ما يخشاه النظام السوري. أي أن لا أحد يتوهم النصر الكبير.

لن أخوض في تفاصيل مواد هذا المشروع المشئوم، لأنه تم تناوله بكثير من التفصيل وخاصة على موقع نساء سوريا ومن قبل العديد من المدونين السوريين مثل مدونة أمواج إسبانية ومدونة حسين غرير و مدونة أعواد ثقاب، لكن أستطيع أن ألخص خطورة هذا المشروع ببضع نقاط قليلة:

-          سن ما يسمى بقانون الحسبة في المادة 38 من المسودة والتي تسمح لأي كان رفع دعوى تفريق بين أي زوجين.

-          التفريق بين المواطنين بحسب انتمائهم الديني فلدينا بحسب الترتيب مسلم ثم مسيحي ويهودي أما الغير كتابي والمرتد فهما ليسا بمواطنين ولا يحق لهما الزواج. ماذا نريد أكثر من هكذا قانون يبث الفرقة والأحقاد الدفينة بين أبناء الطوائف والأديان المختلفة، حتى لو لم تكن ظاهرة للعيان إلا أنها تبقى كالقنبلة الموقوتة يمكن أن تنفجر وتتحول إلى حرب أهلية في أي لحظة. راجع مقال حسين غرير المشار إليه آنفاً حول هذه النقطة بالذات.

-          مرة أخرى، فإن التعدي على تشريعات الأديان الأخرى لا تؤدي سوى إلى زيادة الاحتقان الطائفي. فعلى سبيل المثال، شرع القانون للمسيحيين بالزواج من اثنتين. وأعلم أن عقبة يرفض هذا الأمر، لكن لا يجب التقليل من خطورته أبداً.

-          فيما يخص أسلمة سوريا وسطوة رجال الدين التي يتحدث عنها، فلا أستطيع إلا أن أرى في هذا المشروع سوى محاولة استئثار الوطن لصالح طائفة واحدة بحسب تصور منحرف لـ (بعض) رجال الدين وفي مقابل ذلك يتحالف هذا البعض مع رجال النظام في سبيل إحكام الطوق على كل فكر يريد الحرية والتحرر لسوريا وطناً ومواطنين من خلال إعادة إنتاج الغرائز الطبيعة الطائفية بدل من تعزيز الانتماء العقلاني السياسي إلى وطن واحد للجميع.

-          كل ذلك ناهيك عن الظلم الذي يلحق بالمرأة من وراء هكذا قانون بوصفها نصف المجتمع وبالأطفال الذين يفترض بهم بناء الوطن. فيكف نريد بناء وطن حر متقدم ونحن نلغي نصف المجتمع وننشئ جيلاً مهزوزاً مهزوماً؟

فيما يخص المعارضة والعمل المعارض

لن أثق بأي معارض لا يحمل أصغر هموم المواطن على كتفيه، وإن لم يفعل فليتنحى ولينضم إلى قائمة المستقيلين عقلياً وفكراً وإنسانياً ولا يسمي نفسه معارضاً بعد الآن. لقد قلت في غير مكان على مدونتي هذه أن أكبر الأخطاء التي ترتكبها المعارضة السورية هي الانشغال بالشأن السياسي الصرف من تداول للسلطة وحرية الرأي واعتقال النشطاء السياسيين على حساب الانشغال بهموم المواطن اليومية، ومن يرغب بالمزيد من الإطلاع على رأيي في هذا الموضوع يرجى مراجعة مداخلاتي في الندوة الحوارية حول المعارضة السورية التي أقيمت على مدونة المرفأ والتي أعدت نشرها هنا على مدونتي.

وختاماً، لا يستطيع أي أحد أن يحارب كل الأخطاء بنفسه، بل لكل اهتماماته وتخصصه واتجاهاته ودوره في طريق التحرر، وهذا الطريق هو عبارة عن مسارات متوازية لا يمكن ترك أحدها والتركيز فقط على الآخر، بل كلها قضايا وطنية تعنينا بكل تفاصيل حياتنا. وأنا على يقين أن الحراك الاجتماع في سبيل القضايا الاجتماعية هو المفتاح لتفعيل الحراك في سبيل القضايا السياسية، وهذا الأمر الذي سوف آتي عليه مرة أخرى في القريب العاجل بمزيد من التفصيل.

كلمة أخيرة إلى عقبة: لا أقوم بالعادة بـ (تمسيح الجوخ لأحد) ولكني لا أشك للحظة واحدة في حسك الوطني الصادق المحب ولا تحتاج شهادة مني بالتأكيد، لكن هذا لا يمنحك الحق على ما أعتقد ببخس جهود الآخرين، مهما كان المكسب صغيراً من وجهة نظرك.

2 يوليو 2009

إلغاء المادة 548

أصدر السيد رئيس الجمهورية المرسوم التشريعي رقم 37 بتاريخ 1/7/2009 القاضي بتعديل المادة 548 السيئة الصيت من قانون العقوبات السوري:

الجمهورية العربية السورية
المرسوم التشريعي رقم (37)
رئيس الجمهورية
بناء على أحكام الدستور
يرسم مايلي ..
المادة 1- تلغى المادة (548) من قانون العقوبات ويستعاض عنها بالنص التالي..
يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على أن لا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل.

المادة 2- ينشر هذا المرسوم التشريعي في الجريدة الرسمية
دمشق في 9-7- 1430 هجري الموافق 1-7- 2009 ميلادي.
رئيس الجمهورية
بشار الأسد

النص القديم للمادة 548:
المادة 548:
1 ـ يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو اخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو ايذائهما أو على قتل أو ايذاء أحدهما بغير عمد
2 ـ يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر

تعقيب:

يعتبر هذا التعديل خطوة إيجابية على طريق التجريم الحقيقي للقتلة الذين يزهقون الأرواح تحت مسمى الشرف وبمباركة قانونية واجتماعية. وانحصرت الإيجابية في نقطتين:

1-       ألغى الفقرة الثانية نهائياً من المادة 548 السيئة الصيت التي تسمح لأي شخص ارتكاب جريمة القتل بمجرد الاشتباه بـ “حالة مريبة”.

2-       جعل النص الجديد الحد الأدنى للعقوبة القبل في هذه الحالة الحبس لمدة سنتين على الأقل بدلاً من بضعة أشهر كما كان شائعاً.

بالرغم من هاتين الإيجابيتين فقد كان المطلوب هو إلغاء هذه المادة قليلة الشرف من قانون العقوبات السوري، لأن تخفيف الحكم على القاتل مرفوض من أساسه ويشجع على ارتكاب جرائم القتل البشعة والتغطية عليها بحجة الشرف. ولا بد لنا بأن نعلم بأنه وبالرغم من أن نص المادة الجديد لا يفرق بين الذكر والأنثى في (تشجيع القتل بحجة الشرف) إلا أن الذكر هو المستفيد فعلياً من هذا التخفيف، لأنه هو الذي يرتكب هذه الجريمة بخلاف الأنثى المغلوب على أمرها أو المستباح دمها في جميع الحالات، ولم تشهد المحاكم السورية على حد علمي أي تخفيف لعقوبة القتل لامرأة فاجأت زوجها بحالة الزنا مع أخرى فقتلته. ليس المطلوب المساواة في حق ارتكاب جريمة القتل بين الذكر والأنثى بل المطلوب هو إنزال أشد العقوبات بكل من تسول له نفسه قتل الأخر تحت أي ذريعة ما عدا ما يتصل بمسائل الدفاع عن النفس.

بالرغم من المجهود الذي تبذله بعض الجهات الغير رسمية لإلغاء هذه المادة، لا تزال معظم شرائح المجتمع وخاصة المنظمات التي تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان والمثقفين ورجال القانون ورجال الدين يراوحون بين الصمت والتواطؤ ومباركة القتل بحجة الشرف.

25 يونيو 2009

المحور الخامس: كيف تمتزج المعارضة بالشعب وتحقق أهدافها

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 6:48 م
Tags: , ,

هناك مسألتان يجب التعرض إليهما عندما نتكلم عن فهم المعارضة للتغيير، وذلك بفرض حسن النوايا دائماً:
- اعتقاد المعارضة أن الديمقراطية بوصفها آلية لتداول السلطة تمثل حلاً ناجعاً لأزمات الوطن والمواطن.
- تصور المعارضة أن الجمهور العام على قناعة مسبقة بأن المدخل السياسي هو المدخل الصحيح لتحسين أوضاعهم المعيشية والإنسانية.
تؤدي هاتان المسألتان إلى قصور في شمول المشاريع المطروحة وإلى جعل المعارضة كمن يغني خارج السرب ولا يحظون بالتفاتة من أحد. وأعود هنا إلى قولي بأن المعارضة كي تستطيع تغيير النظام السياسي يجب عليها أن تبتعد عن تغيير النظام السياسي! وبدلاً من ذلك عليه أن تعمل على ثلاثة محاور:
١- نقد ممارسات السلطة بصورة علمية وليست انتقامية.
٢- النزول إلى الشارع ومعاينة هموم الناس ومعاناتهم اليومية والخروج بحلول لتلك المشاكل تحرج بها السلطة، وتكسب ثقة الجمهور،وتؤسس لبرامج اجتماعية واقتصادية وثقافية وتعليمية تكون حاضرة عند تغيير النظام.
٣- الربط بين أزمات الوطن والمواطن من جهة وبين السلطة وممارساتها وفشلها في إيجاد الحلول المناسبة من جهة أخرى.
لكن أليست هذه مجرد دعوات نظرية؟ وهل سوف يسمح النظام للمعارضة بحرية الحركة لتستطيع تطبيق هذه النظرية؟
بالتأكيد سوف يحاول النظام بشتى الوسائل أن يمنع أي فعل يمكن أن يؤثر سلباً عليه وإلا لما كان هذا النظام ديكتاتورياً، ولانتفت الحاجة إلى التغيير، وهو في الواقع يمتلك قدرات غير محدودة للتضييق على المعارضة من خلال القمع المباشر والمحاكمات الاستثنائية وإن اضطر الأمر فباستخدام وسائل الإعلام التابعة كلياً له. لذلك يجب أن تعمل المعارضة على ابتكار الوسائل لإيصال صوتها إلى الجمهور العام لتشكيل كتلة تغيير ثقيلة يصعب على النظام ضربها.
وللدخول في المجال العملي مباشرة سوف أطرح بعض الأمثلة التي كان من الممكن على المعارضة اتبعاها لتحقق جدوى ما من تحركاتها وليكون القمع الذي تعرضت له ذو مردود. ففي كل عام وفي ذكرى حركة الثامن من آذار وفي ذكرى تأسيس حزب البعث وفي ذكرى الجلاء تنبري الأقلام وتندد بالنظام بانفعالية لا تسمن ولا تغني من جوع برأيي، كما أن بعض المظاهرات الصغيرة تخرج هنا أو هناك وتعرض أصحابها لخطر الاعتقال وربما السجن لسنوات عديدة. كما أن العديدين من مؤسسي إعلان دمشق تم اعتقالهم ومحاكمتهم في أعقاب انعقاد المجلس الوطني لهذا الائتلاف دون جدوى تذكر من كل هذه المعمعة لأنه من النادر أن تجد مواطناً سورياً قد سمع بهذا الائتلاف وبغاياته. فبدل كل هذا ما لو قامت المعارضة بالتظاهر في مناسبات تمس مباشرة المواطن مثل صدور قرار رفع الدعم عن المحروقات وقرارات الاستملاك الجائرة لمساكن ومصادر رزق المواطنين؟ أو ربما تقوم المعارضة أو/و جمعيات حقوق الإنسان بتشكيل لجان دفاع عن حقوق المواطنين الذين تستملك مساكنهم ومتاجرهم دون وجه حق أو حتى بتعويضات بخسة وكل ذلك بسبب الفساد. بالتأكيد هناك احتمال بأن يتعرض المتظاهرون أو لجان الدفاع للاعتقال وربما المحاكمة أيضاً، لكنهم بالأساس وبنشاطهم السياسي معرضون لذلك، إلا أن هناك العديد من الفوائد من مثل هذه الأعمال:
- شعور المواطن أن هناك بعض الجهات والأشخاص يعرضون أنفسهم للخطر في سبيل الاعتراض على قرارات من شأنها أن تسلبه حتى أبسط وسائل حياته وترمي به إلى التهلكة.
- مع مرور الوقت سوف تحظى تلك الجهات والشخصيات بتعاطف شرائح كبيرة من الشعب وسوف يكون مستعداً لسماعها وتكوين تصور ولو بسيط عن أهمية المطالب السياسية التي تنادي بها وتأثيرها على حياته.
- إن العامل الحاسم حتى يجعل الجمهور العام يصغي إلى المطالب السياسية هو المصداقية التي يمكن تحظى بها تلك الجهات التي تعمل لأجله وخاصة عندما يعود الحق إلى أصحابه في بعض الحالات.
- إن احتمال التعرض للاعتقال والمحاكمات أقل مما هو عليه عندما تقوم المعارضة بالتنكيل لفظياً بالنظام دون دعم شعبي. لأن حجج النظام في هذه الحالة أضعف بكثير مما يمكن أن يسوقه للجمهور في حال علم شيئاً حول ما تتعرض له المعارضة. فهل يستطيع النظام مثلاً تخوين من يتظاهر أمام مجلس الوزراء مثلاً للمطالبة بعدم قطع التيار الكهربائي؟
- سوف تحظى تلك التحركات بتغطية إعلامية من وسائل الإعلام التي يتابعها المواطن على نطاق واسع، عندها سوف تصل قضية المعارضة لأكبر شريحة ممكنة من الجمهور مصحوبة بقدر جيد من المصداقية. لكن شرط ذلك أن تكف المعارضة عن أسلوب النكايات في نقد النظام والكف عن تأييد أي جهة أو فعل لمجرد معاداته للنظام، وتستبدله بالنقد الموضوعي العلمي الذي يعطي مؤشرات صحيحة حول توجهات المعارضة ويساعدها هي نفسها على فهم النظام بعمق أكبر لتستطيع مواجهته.
- عندها سوف يستطيع المواطن الربط بين الفساد من جهة وبين تدني مستوى التعامل الإنساني معه من قبل السلطات من جهة أخرى. وتالياً مع مرور الوقت سوف يستطيع الربط بين طبيعة النظام وما هو عليه من حال.
- وأخيراً وليس آخراً، سوف تكتسب المعارضة خبرة ومعرفة بحاجات ومطالب الجمهور الحقيقية من خلال الاحتكاك المباشر معه وتقمص معاناته اليومية بكافة جزئياتها، وتستطيع من ثم وضع البرامج والمشاريع القادرة فعلاً على النهوض بالوطن والمواطن. كما أنها تستطيع أن تبني تصوراً أكثر دقة حول ماهية الدولة والنظام السياسي المنشودان. فلا يكفي أن يكون هناك نظرية للدولة لكن يجب أن يكون هناك معايشة عملية لما يحقق للناس حياة أفضل.
إن الديمقراطية هي شرط لازم ولكنه غير كاف للانتقال إلى دولة المؤسسات ودولة القانون والأهم من ذلك دولة لمواطنيها، حيث تحترم كافة حقوق المواطنين وعلى رأسها حقه في العيش بكرامة وحقه في العمل والتعلم وتلقي الرعاية الصحية والسكن الصحي. وحتى تتحقق الكفاية يجب أن يكون هناك مشروع ديمقراطي أساسه المواطن أولاً وأخيراً

23 يونيو 2009

المحور الرابع: نقاط ضعف وقوة المعارضة السورية

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 1:00 م
Tags: , ,

لابد قبل البدء بنقد المعارضة السورية أن ننوه إلى أنها حديثة العهد نسبياً في العمل السياسي. فمنذ تسلم حزب البعث السلطة في سوريا عمل جاهداً على استئصال أي حالة سياسية أخرى غيره حتى أولئك الذي كانوا يعتبرون حلفاؤه في وقت من الأوقات. وكانت آخر ما يمكن أن يسمى نشاطاً معارضاً حركة الإخوان المسلمين في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بغض النظر إن اتفق البعض أو اختلف مع فكر وممارسات الإخوان. ومن ثم دخلت بعض الأحزاب في ائتلاف الجبهة التقدمية والبعض الآخر دخل في حالة من السبات، إلى أن شهدت سوريا نوعاً من الحراك السياسي مع استلام الرئيس بشار الأسد الحكم الذي أعطى وهماً برغبته في الإصلاح وخاصة في المجال السياسي. وبالتالي فإن بعضاً من النقد يوجه إليها على أساس التكتيكات التي اتبعتها المعارضة دون الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود تراكمات سابقة في العمل في مجال الشأن العام، وفي نفس الوقت فإن حداثة العهد هذه تشفع لهم بعض الأخطاء التي ارتكبوها كما تشفع لهم التضحيات التي قدموها في هذا الوقت القصير نسبياً. فخلال الثماني سنوات السابقة تعرض عدد كبير منهم للسجن لمدد مختلفة، وقضى البعض معظم هذه الفترة في السجون مثل الدكتور عارف دليلة ورياض سيف. لكن ومع احترامي لهذه النضالات، لابد من توجيه النقد والنقد القاسي أحياناً حتى تستطيع الأجيال القادمة جني ثمار هذه التضحيات، إلا إن كانت كل تلك التضحية في سبيل تحقيق المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، وهذه الحالة الأخيرة موجودة بالفعل عند بعض من يسمون أنفسهم معارضين، والذين يحاولون استثمار ما تعرضوا له من قمع للوصول إلى غايات معينة، وخير مثال على ذلك مأمون الحمصي الذي قلت رأيي فيه بصراحة في غير مكان على صفحات مدونتي وخاصة في مقالي “في المعارضة السورية” ولا أرغب بتكرار الحديث عنه مرة أخرى هنا.

ومن خلال متابعتي للعمل المعارض في سوريا، أجد أنه يعاني الكثير من الإشكالات ومن أهمها:
1- ضعف الأساس الفكري: إن أزمة المجتمعات العربية هي أزمة فكر قبل كل شيء، وتاريخنا المهزوم هو تاريخ انهزام الفكر العربي. إن المتابع لحركة الفكر العربي المعاصر (بعد الحرب العالمية الأولى) يلاحظ أن المفكرين العرب قاموا في أغلب الأحيان بتمثل الفكر الغربي، والقلائل هم الذين أصلوا لفكر خاص يعبر عن حركة التاريخ والمجتمع في هذه المنطقة. فعلى سبيل المثال قلما نجد شيوعيين يفهمون جيداً ماهية الشيوعية (ولا أدعي فهمها من قبلي بقدر ما أدعي أني قابلت الكثيرين اللذين لا يعرفون من الشيوعية سوى قبعة غيفارا أو مقولة لينين بأن الدين أفيون الشعوب). هناك على الدوام انبهار بانتصارات الفكر الغربي بشتى تياراته وبحسب السائد في وقت من الأوقات، والموجة الليبرالية التي تجتاح المجتمعات العربية دون رحمة خير دليل على ذلك، لكن للأسف لم يؤخذ من تلك الليبرالية سوى ما قدمته الثقافة الأمريكية الاستهلاكية لنا. وإذا رأينا أن الثقافة الاستهلاكية تقتصر على تعظيم الرغبة في الاستهلاك فنكون بذلك مخطئين جداً، لأن الثقافة تعني في وجه من أوجهها منظومة قيمية متكاملة، وثقافة الاستهلاك ليست استثناءً من ذلك، فهي منظومة من القيم والأخلاق والعادات التي يتمثلها المجتمع، فيصبح الحكم على قيمة ما من خلال قدرتها على تحقيق المكاسب فحسب. لقد استطردت في هذه الفكرة قليلاً لكي أوضح مدى التقليد الأعمى الذي يقوم به من يدعون أنفسهم بالمثقفين العرب، إنهم مؤدلجون ومبهورون، لا يلبث أحدهم بعد أن ينبهر بفكرة ما وبانتصار تلك الفكرة في مكان ما من الغرب حتى تراه حملها وطار بها إلى مجتمعه وكأنها الوصفة السحرية لجميع الأزمات ويا ويل من لا يقتنع بوجهة نظرهم، فهو متخلف وغير راغب باللحاق بركب الحضارة الإنسانية. كان هناك استثناءان في تاريخ الفكر العربي من وجهة نظري، التيار القومي والتيار الإسلامي، فكلاهما حاول بناء أسسه الفكرية الخاصة وتأصيلها انطلاقاً من معايير معينة تخص المنطقة. لكن وبرأيي الشخصي فشل هذان المشروعان عملياً، لأن الأول ظل متأثراً بشكل أو بآخر بفكرة القومية الغربية وحاول تطبيقها دون أن يلاحظ الاختلافات الجوهرية بين هنا وهناك، والثاني لم ينفك عن التمثل بالماضي ومحاولة تطبيقه قسراً على الحاضر (ليس هنا مجال نقاش المشروع القومي والمشروع الإسلامي، لكن كان هذا مجرد إبداء رأي سريع ليس إلا بما يخدم الفكرة الأساسية). وبالنتيجة يبقى الفكر العربي إما تابعاً للغرب أو مشدوداً إلى الماضي وغير قادر على التقدم إلى الأمام، وعندما يكون الفكر مشلولاً وغير قادر على الإنتاج لا يمكن التعويل عليه في طرح الحلول للأزمات التي نعاني منها.
2- تباين كبير في المشاريع وفي الرؤى الوطنية مما ينعكس على شكل تسويات وتوليفات ضعيفة البنية في المشاريع المطروحة. ومن أمثلة هذه التباينات، النظر إلى المسألة الكردية والإسلام السياسي والقومية العربية والليبرالية والعلمانية والعلاقة مع المحيط العربي والإقليمي والعلاقة مع الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وفي كثير من الأحيان تأتي الديمقراطية لتغليف لهذه التباينات أو في أحسن الأحوال تعيش المعارضة وهماً بأن الديمقراطية هي الجامع الوطني ونقطة الالتقاء الأساسية بين مختلف التيارات. لكن في الحقيقة لم تحسم أي قضية خلافية بعد وهي مرشحة إلى التحول إلى أزمات بين أطياف المعارضة في أي لحظة كما حدث عندما شكل الإخوان المسلمون جبهة الخلاص مع عبد الحليم خدام، وكما حدث بعد اجتماع المجلس الوطني لائتلاف إعلان دمشق وما نتج عنه من انشقاقات عميقة وصلت حد التخوين الخارجي أو السلطوي.
3- غياب الثقافة الديمقراطية في ممارسات المعارضة الداخلية (داخل الحزب أو التجمع الواحد) والبينية (محاولات إقصاء الآخر وتخوينه في كثير من الأحيان) مما يظهر المعارضة على أنها صورة عن السلطة. ومن هنا السؤالين الكبيرين: 1- كيف يمكن أن يثق الجمهور في معارضة تنادي بالديمقراطية وتطالب بها وهي لا تتعاط معها داخلياً؟ وهذا من شأنه أن يوحي بأن هذه المعارضة هي مجرد طالب آخر للسلطة ليس إلا. 2- كيف تتسق المعارضة مع نفسها عندما تدعي أن غياب الديمقراطية يولد دائماً فساداً وترهلاً في مؤسسات الدولة والسلطة، وفي نفس الوقت هي لا تمارس الديمقراطية على نفسها لتنتج معارضة فعالة ومتجددة؟ ويكفي أن نتتبع الأحزاب السورية الرسمية والغير رسمية والكردية منها ولنسأل: متى آخر مرة تم فيها تغيير القيادة فيها في حالات غير الوفاة؟ حتى أن بعض الأحزاب أو تلك المجموعات المنشقة منها تحمل أسماء قيادييها، واعجبي!
4- غياب الوعي الذاتي للمعارضة، وبالتالي تظهر أفعالها على شكل ردود فعل انفعالية وغير مدروسة لممارسات السلطة ولوضع السلطة الداخلي والإقليمي والدولي. وهذه النقطة في الحقيقة هي نتيجة لدراسة سلوك المعارضة السورية وممارساتها على أكثر من صعيد. وغياب الوعي الذاتي لا يتجلى بالضرورة بنفس الشكل عند كل أطياف المعارضة، بل يختلف في كثير من الأحيان بين هذا التيار وذاك وبين هذا الائتلاف وذاك التجمع، وربما نجد قواسم مشتركة فيما بين معظمها مثل الخطاب الكيدي وغياب الممارسات الديمقراطية الكيدي على سبيل المثال.
5- نتيجة العديد من العوامل ومنها غياب الوعي الذاتي نجد عدم وجود إستراتيجية عمل واضحة ليس فقط على مستوى المعارضة السورية ككل، بل على مستوى المجموعات الأصغر، الائتلافات والتحالفات وحتى الأحزاب. فهي ليس فقط لا تملك مشروعاً متماسكاً لما بعد التغيير أو تصوراً واضحاً لمسألة الدولة والسلطة والقانون، بل أيضاً أكاد أجزم أنه ليس لديها تصور لكيفية التغيير بحد ذاتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن الكثير من جهد ونشاط المعارضة ينصب في مطالبة النظام عن الكف عن كونه ما هو عليه!
6- عدم الأخذ بعين الاعتبار أن الحامل الحقيقي للتغيير هو المواطن، فالعمل منه وإليه، وغير ذلك يصبح أي حديث عن التغيير هو مجرد أوهام، أو هو يهدف إلى استبدال السلطة بأخرى لا تختلف عنها. فنلاحظ أن العمل المعارض في سوريا نخبوي لا يخرج عن كونه محاولة تطبيق نظريتي التغيير اللتان أتيت على ذكرهما سابقاً. إن المعارضة تضيع الكثير والكثير من جهدها ووقتها في انتقاد (وليس نقد) السلطة والنظام ومحاولاتها ضعيفة في مجال نقد ودراسة الوضع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والقانوني للجمهور السوري. أعلم أنه من الصعب جداً الوصول إلى الجمهور مع كل هذا التقييد والحصار الذي يفرضه النظام على المعارضة، لكن هل يجب أن تستكين المعارضة لهذا الأمر وتظل تصيح لا يسمحون لنا بالاتصال بالناس؟ أعتقد أن المواطن هو من سوف يأتي إلى المعارضة عندما تأتي هي إليه من خلال الاهتمام به وبمشاكله اليومية ومن خلال الدفاع عنه في كل مناسبة.
7- الاكتفاء بالعمل السياسي الصرف (مسألة السلطة والانتخابات) والابتعاد عن أساليب عمل مؤسسات المجتمع المدني، وحتى تلك المؤسسات الموجود حالياً فعملها مسيّس ولا تهتم سوى بخرق النظام لحقوق الإنسان السياسية. فعلى سبيل المثال تنادي المعارضة معظم الوقت بحق المواطن باختيار ممثليه بشكل حر ونزيه وبإجراء انتخابات دورية لتداول السلطة وفي ترشيح نفسه للنيابة أو حتى لرئاسة الجمهورية لمن يستوفي الشروط، وكأن هذا المواطن الذي لا يجد لقمة عيشه أو ذاك الذي استملك منزله وشرد في الشارع في وارد التفكير بما يسمى صندوق اقتراع!ومن جهة أخرى فإن جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان والتي تمثل الشكل الوحيد تقريباً من مؤسسات المجتمع المدني الموجودة في سوريا لا تطالب في معظم الأحيان في حقوق المواطنين إلى فيما يتصل بالشأن السياسي، فهي في الغالب تهتم بالاعتقالات التعسفية (هي إما سياسية أو تتصل بموضوع حرية التعبير)، ومما يزيد الأمر سوءً نخبوية وفئوية مسألة حقوق الإنسان لديها، فهي من جهة تركز على المعتقلين السياسيين الكبار على حساب أي مظلوم آخر في هذا الوطن، ومن جهة أخرى نجد أنها في بعض الأحيان تنتقي حالات معينة وتدافع عنها، فإن كان المعتقل إسلامياً نحد صمتاً مطبقاً من الكثير جماعات حقوق الإنسان، وإن كان علمانياً نجد سكوتاً من جماعات أخرى. فهل سوف يلقى صوتها هذا أذناً صاغية من أي مواطن؟ وماذا لو قامت منظمات حقوق الإنسان بالتصدي لظاهرة تهجير المواطنين من مساكنهم دون تعويضات مثلاً؟ كم من الناس سوف يلتف حولها؟ وخاصة أن الكثير من العاملين في هذا المجال هم محامون!
8- ضعف فهم سوسيولوجيا الجمهور، كما فصلت في المحور السابق

ملاحظة: بالنظر إلى هذه النقاط، سوف نجد أنها متداخلة بشكل كبير وبالتالي يبدو الحديث عن أحدها في بعض الأحيان على أنه حديث عن الأخرى، وحتى أنه يصعب ترتيب تلك النقاط على قاعدة السبب والنتيجة. كما أني لم أذكر “غياب مشروع وطني متكامل للمعارضة السورية” لأن هذه الفكرة في الحقيقة متضمنة في معظم هذه النقاط إن لم يكن في جميعها.

22 يونيو 2009

المحور الثالث: هل يوجد معارضة سورية حقيقية وشعبية

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 12:59 م
Tags: , ,

لست واثقاً ما المقصود بمعارضة حقيقية، هل تتضمن الزيف في دلالتها؟ بالطبع هناك معارضون وجماعات معارضة مزيفة تحاول أن تضفي على نفسها صبغة الوطنية والديمقراطية لتسوق نفسها ليس أمام المواطن السوري بل أمام آخرين في واشنطن وتل أبيب والرياض. وإن كانت المعارضة الحقيقية تعني معارضة فاعلة، فليس أدل على عدم فاعليتها من إنجازاتها الفكرية والسياسية والشعبية. أما إن كانت تعني وجودها على أرض الواقع فما أراه هو شتات معارضين وليس معارضة. وبغض النظر عن تلك الدلالات المختلفة، فهل المعارضة شعبية؟ ربما يأتي الجواب بسيطاً عندما نسأل الناس في الشارع عن أسماء أفراد وجماعات تقول أنها معارضة فهل سوف يتعرفون عليهم؟ ربما هناك أسماء معروفة ولكن ليس بسبب عملها الوطني بل بسبب أعمالها الغير وطنية، مع بعض الاستثناءات طبعاً، فهناك بعض الشخصيات التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ممن عرفت أسماءها نسبياً على المستوى الشعبي.

المعارضة السورية (التي يمكن وصفها بالوطنية، وليعتقد كل قارئ بأن المعارضة التي يؤيدها وطنية، فلن يغير ذلك من المعنى شيئاً) في الواقع نخبوية، لا تعرف كيف تنزل من برجها العاجي إلى الشارع لتخاطب الجمهور العام بدل أن تخاطب نفسها، وتعتقد أن تغيير النظام السياسي هو على قائمة الأولويات لأنه المدخل الذي يؤدي إلى جميع الأبواب الأخرى. وبالتالي تحمل شعار التحول الديمقراطي السياسي بمعنى تداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. وهي بذلك تطالب ضمنياً جميع المواطنين أن يدركوا العلاقة بين النظام الشمولي وبين والفساد وتدني مستوى المعيشة والتخلف على جميع الأصعدة. والنتيجة تصاب المعارضة بالصدمة والإحباط عندما لا تجد جمهوراً يأبه بها وبتضحياتها بل على العكس تجده شامتاً بها مخوناً لها في كثير من الأحيان. وأعتقد أن المعارضة لم تستطع إلى الآن إدراك سوسيولوجيا الجمهور السياسي/الديني السوري، على عكس النظام الذي فهمها جيداً وعمل على توظيفها لصالحه.

وفي الجهة المقابلة، يرى أصحاب النظرية التي تقول بالتغيير على المستوى الفكري الشعبي قبل السياسي أنه على المعارضة العمل على نشر التربية والفكر الديمقراطي بين الجمهور ليصبح خبزه اليومي وبذلك نؤسس لقاعدة شعبية عريضة يمكن للمعارضة (النخبة المربية) قيادتها إلى خط النهاية في عملية التحول الديمقراطي، ويتمثل هذا الخط بتغيير النظام السياسي. وكأن المعارضة تمتلك أمرها بالصعود إلى المنابر الإعلامية والدينية والتربوية لتستطيع التأثير (بالتنظير) في فلسفة الحياة للمواطن العادي.

أعتقد أن كلا الاتجاهين في المعارضة نخبوي، فالأول يسعى إلى تغيير السلطة كمدخل للبناء وبذلك يتجاهل الجمهور كلياً، والثاني يسعى إلى تغيير فكر الجمهور منصباً نفسه معلماً ومربياً له. وبين هذا وذاك نجد أنفسنا نحاول حل مسألة البيضة والدجاجة، أيهما أولاً!

وهناك من يعزو أسباب فشل المعارضة إلى الآن بشكل أساسي لعدم سماح النظام للمعارضة بالعمل، لكن لا يجب التعويل على هذا الأمر، فلو كان مسموحاً للمعارضة أن تنشط لقلنا أن النظام السياسي ديمقراطية ولما احتجنا بالأساس لهذا النوع من المعارضة بل كانت المعارضة البرلمانية هي الموجودة على أرض الواقع. لذلك يتوجب على المعارضة أن تعي تماماً أنه لن يسمح لها بأي هامش من الحركة من قبل النظام، وبناءً على ذلك تضع خططها للعمل. وإن انتظرت المعارضة أن يعطيها النظام شيئاً فسوف تبقى في حالة الجمود. كما أننا كيف نطالب النظام بالسماح بالمعارضة وهي موجودة أساساً لقلب النظام السياسي لغير صالح احتكاره للسلطة؟

هذا من جهة المعارضة أما بالنسبة للشعب فهو فعلاً لا يعارض ولا يفكر بالمعارضة، هناك استياء من الوضع العام صحيح. يمكننا وصف الشعب على أنه مستاء من الوضع العام على أبعد تقدير، وفي نفس الوقت لا يمكننا أن نعزو عدم معارضته أو دعمه للمعارضة إلى الخوف من قمع النظام فقط، بل هناك أسباب كثيرة أقلها تأثيراً الخوف وأكثرها تأثيراً هو عدم المبالاة وعدم المعرفة وعدم الثقة بالبدائل. إن الجمهور العام يهتم بأموره المعيشية اليومية وفي مستقبل أبناءه فقط، وجل مطلبه أن يقوم المسؤولون بالتفكير بأحواله وتحسين مستوى معيشته. وهذا نجده في الأحاديث العامة والخاصة على السواء، فلن تجد في جلسات الأصدقاء والأقارب من يفكر بأن المطلوب هو تغيير شامل على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية منها، بل يعتقد الغالبية أن المسألة مسألة فساد أشخاص وليس فساد نظام سياسي. ولكن في النهاية يمكن أن استثماره من قبل التيارات المعارضة وتحويله إلى معارضة شعبية.

وهناك من يفسر عدم معارضة الشعب للنظام بالخوف أو محبة الرئيس رمز هذا النظام. لكن ليس الخوف والمحبة فقط ما يجعل الرئيس بعيداً عن النقد من قبل الشعب، بالتأكيد إن البعض يخاف من مجرد معارضة النظام ونقد الرئيس وأن بعضاً آخر يحب الرئيس، لكني ما زلت مصراً أن هناك ما هو أبعد وأهم من هذين العاملين اللذين يختزلا المسألة كثيراً مع ملاحظة أن الخوف من الانتقاد والاعتراض يعني أن هذا البعض الذي يخاف يعلم أين مكمن الخطأ. أعتقد أن ما يلعب دوراً مهماً في عدم المساس بالرئيس وبالنظام يتلخص فيما يلي:

  • قدسية موقع رأس الدولة (الرئيس) في الثقافة العربية والإسلامية، فهو شيخ القبيلة أو أمير المؤمنين أو السلطان أو ولي الأمر الذي يجب أن يطاع دون جدال. وقد ساهمت طبيعة العلاقة بين مؤسسة السلطة والمؤسسة الدينية في عهدي الخلافة الأموي والعباسي في صياغة هذه مسألة الطاعة على هذه الشاكلة. كما أن شخص رأس الدولة يمثل اجتماع قيم المجتمع التي تميزه عن غيره، أي هو رمز للهوية، وبالتالي التطاول (حتى وإن كان بمعنى نقداً) عليه يعتبر تطاولاً على الدولة وعلى كل فرد في المجتمع.

  • لقد استطاعت الماكينة الإعلامية للنظام تأسيساً على ثقافة الشعب تجاه الحاكم أن يحمّل لاوعي الفرد صورة الإله في مكان صورة الرئيس وبالتالي يجعله يشعر بالرهبة (الرهبة تختلف عن الخوف) مثل تلك التي يشعر بها المؤمن تجاه إلهه. فهو الغير عادي، والذي لا يخطئ والذي يقوم برعاية الجميع والذي لا يشبّه بالإنسان العادي. تحضرني هنا مسألة زواج الرئيس بشار الأسد، فلا حفل زفاف ولا إعلان عن الأمر ولا أي شيء ذو صلة. وهذا الأمر لا يجب أن تؤخذ على بساطته، بل يأتي في سياق منع الناس من رؤية رئيسهم كأي شخص عادي، فلا يجب أن يتصوروا كيف يتزوج وكيف يعيش وماذا يعمل، وأذكر أنني عندما كنت في الصفوف الابتدائية الأولى كنت أعتقد وأصدقائي أن الرئيس لا يقضي حاجته!!!! :)

  • يعمل النظام وباستمرار على تصوير السياسة الخارجية على أنها أهم بكثير من السياسة الداخلية، فتلك الأولى معنية بمقاومة المشروع الصهيوني والحفاظ على كرامة وموقع الدولة وبالتالي الفرد، ويركز دور قيادة السياسة الخارجة في شخص الرئيس فهو معني بتفاصيلها كافة وبالتالي فهو مفرغ لما هو أهم من السياسة الداخلية التي يكتفي بإعطاء التوجيهات العامة (البناءة والحكيمة) للحكومة وهي عليها الاعتناء بالتنفيذ.

  • إن التربية الطليعية والشبيبة في المدرسة أنتجت جيلاً كاملاً لا يميز بين الوطن والقائد، فهناك تماهٍ تام بينهما، فالأب القائد هو رمز الوطن وربطاً مع النقطة السابقة يصبح نقد الرئيس مسألة خيانية.

  • إن المواطن بصورة عامة غير قادر على الربط بين الرئيس وبين النظام السياسي وبين الفشل الإداري للبلد، فطبيعة المجتمع الذكورية السلطوية وأسلوب التعليم يحرم العقول من ممارسة النقد، بل هي مع الوقت تصبح غير قادرة على التحليل والنقد أساساً. فالطفل يلقن المعلومات في صفه ويجب أن يجيب في ورقته الامتحانية كما هو مذكور في كتابه دون أدنى مناقشة كما لا يستطيع أيضاً في منزله أن يناقش قرارات وأوامر رب أو أرباب الأسرة، هذا من الناحية التربوية. أما من جهة أخرى، وبالعودة إلى طبيعة تعاطي الرئيس مع السياسة الداخلية، قلت أنه يتم تصوير الرئيس على أنه يلعب دور إعطاء التوجيهات العامة من نمط تحسين مستوى معيشة المواطن و التطوير الإداري ومكافحة الفساد.. الخ والتي لا تحمل في ذاتها أي مضمون ما لم تربط ببرنامج عمل، إلا أنها تلعب دوراً دعائياً كبيراً لأنها تعطي انطباعاً لدى الناس أن الرئيس مهتم بشؤونهم المعيشية برغم انشغاله الكبير بالدفاع عن الوطن وأن أي مشاكل (في الحقيقة هي أزمات) تعترض حياة المواطن ما هي إلى سوء تنفيذ من المسئولين أو هي مراحل طبيعية في سياق التطوير والتحديث.

21 يونيو 2009

المحور الثاني: لماذا وكيف نعارض؟

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 10:29 ص
Tags: , ,

تمت الإجابة بشكل وافٍ في المحور الأول عن السؤال ماذا نعارض، وتلخصت النتيجة بوجود نمطين من المعارضة، الأول ينشط في نظام ديمقراطي مبني على أساس تبادل السلطة وبالتالي فهو يعارض ممارسات وأفعال محددة جزئية و يعمل وفق قواعد وضوابط تحكمه كما تحكم السلطة الحالية، أما النوع الثاني فنجده في الدول التي تحكمها أنظمة شمولية، وهو يعارض نظام الحكم العام، وغير قادر على الاعتماد على قواعد عمل محددة، بل الأكثر من ذلك، كل مجموعة أو ائتلاف يؤسس لقواعده الخاصة التي ينطلق منها في نشاطه المعارض، لأن السلطة في حال الأنظمة الشمولية لا تحترم أي قانون، بل نشاطاتها مبنية على أساس مصالح فردية وفئوية، وبالتالي لا يمكن القول بأن هناك قواعد معينة تحكم عمل السلطة.و سوف أتناول في الأسطر التالية النمط الثاني من المعارضة لأنها محور النقاش كله.

لماذا وكيف نعارض؟ سؤالين مرتبطين عضوياً ببعضهما، فالإجابة على السؤال الأول شرط لازم ولكنه غير كافٍ للإجابة على الثاني. فمن جهة أولى يجب على المعارضة أن تحدد أسباب معارضتها لنظام الحكم لتستطيع البدء بوضع آليات العمل المناسبة وفي نفس الوقت فإن كيفيةممارساتها للعمل المعارض تشكل الإطار المناسب لمحاسبتها شعبياً بناءً على ما صرحت به من أسباب. ومن جهة ثانية، وبالإضافة إلى معرفة أسباب المعارضة يجب أن تقوم بتحليل الواقع من حيث طبيعة النظام وبيئته الفكرية وممارسات السلطة تجاه الجمهور وتجاه المعارضين أنفسهم.

لماذا نعارض؟

لا معنى لأي معارضة ما لم يكن هناك مشكلة أو أزمة ما تعاني منها شريحة على الأقل من الجمهور ويتسبب بها النظام السياسي والممثل بالسلطة الحاكمة، لكن عادة ما يكون هناك خلاف حول ماهية المشكلة أو/و حول ماهية الممارسات التي سببتها. يمكننا في سبيل فهم أسباب المعارضة تقسيم الجمهور إلى شريحتين أساسيتين هما الجمهور العام الغير مهتم بالشؤون السياسية وينحصر تركيزه على حياته الاجتماعية والاقتصادية ويتعرض للسياسة بوجهها النظري والمعرفي فقط، والشريحة الثانية هي تلك المهتمة عملياً بالشأن العام وبالعمل السياسي، وكلتا الشريحتين تشكلان الجمهور المحكوم من قبل السلطة. ولنفترض جدلاً في البداية أن النظام الحاكم لا يسمح بتداول السلطة التي تم احتكارها لفئة معينة (نظام غير ديمقراطي) ولكن في نفس الوقت يعمل جاهداً على رفع مستوى معيشة الجمهور وتلبية جميع متطلباته الإنسانية. وبالتالي، فإن المثلب الوحيد الذي يمكن أن يؤخذ على النظام هنا هو احتكار السلطة، لكن من يسعى إلى السلطة؟ بالتأكيد تلك الشريحة المهتمة بالانخراط عملياً في الشأن العام، وهذا ليس عيباً، بل هو حق من حقوق كل مواطن، أن يطمح للوصول إلى السلطة وتنفيذ البرنامج الذي يراه جيداً للإرتقاء بالوطن والمواطنين. من هنا نجد، أن غالبية السكان ليس لديهم طموحات في السلطة أو التعاطي العملي مع الشأن العام، وبالتالي لا مصلحة لديهم في دعم الحق المشروع لتلك الشريحة الطامحة بالسلطة، بل العكس هو الصحيح، فسوف نجد أن الغالبية سوف تعارض ذلك الطموح لأنها تخشى التغيير وخاصة أن السلطة الحالية تعمل للصالح العام، وبالتالي لا يوجد أي دافع لدعم من لا يعرفون غاياته الحقيقية. وإذا عاينا هذا الافتراض جيداً، لوجدنا بأنه لا يمت إلى الطبيعة البشرية بصلة، لأن السلطة الاحتكارية وبسبب طبيعتها لن تسمح بأي نوع من النقد والمحاسبة وبالتالي لا بد أن يتخلل الفساد عملها لعدم وجود الرادع (حتى لو افترضنا صدق النوايا في المستويات العليا في السلطة) إلى أن يصل الفساد مداه ويضرب الجذور. أي أن السلطة في الحقيقة لن تعمل من أجل الصالح العام بل في سبيل تحقيق طموحاتها الشخصية التي لا بد أن تكون على حساب الوطن والمواطن. في هذه الحالة لا يمكننا القول أن مطلب تغيير النظام العام، والذي ينتج عنه تداول للسلطة كحق لأي مواطن، يمثل البند الوحيد على لائحة الشريحة المهتمة بالممارسة العملية للشأن العام، بل يصبح من الضروري لصالح الجمهور العام أيضاً استبدال السلطة بسلطة أخرى قادرة على تحقيق الرفاه لمواطنيها.

وعادة لا تصل السلطة إلى موقعها الحالي إلا بمساعدة بعض الأطراف الداخلية لاكتساب الشرعية في بادئ الأمر، إلا أنها لا تلبث أن تنقلب على حلفائها وتطاردهم وتحجم نشاطهم العام والذين سيصبحون معارضين فيما بعد. كما أن الطبيعة الاحتكارية للسلطة تفرض عليها التنكيل بالمعارضين و سجنهم وتعذيبهم ومحاربتهم حتى في لقمة عيشهم، فتنشأ الأحقاد الشخصية بين المعارضين (دون تعميم) والسلطة و/أو شخوصها فتصبح المعارضة مسألة انتقام من أشخاص أكثر مما هي مسألة وطن.

ومن الطبيعي أن لا نجد معارضاً واحداً يقول بأنه يعمل في سبيل الوصول إلى السلطة أو في سبيل استرجاع حصته من السلطة التي سلبت منه بعد أن كان شريكاً بها أو في سبيل الانتقام الشخصي لما لحق به من أذى، بل سوف يدعي الجميع أن أعمالهم خالصة لوجه الله والوطن والمواطن.

كيف نعارض؟

لنفترض أن أهداف المعارضة هي العمل لصالح الوطن والمواطن، ونناقش آليات المعارضة على هذا الأساس وباختصار شديد.

النظام الشمولي سوف ينتج سلطة احتكارية بطبيعتها وتعيث فساداً في الوطن، بل وتعمل جاهدةً على إفساد الفرد وانحطاطه نفسياً وثقافياً وقيمياً وعلمياً ومادياً، وبالتالي نحصل على معادلة ذات طرفين متوازنين، سلطة فاسدة ومجتمع فاسد مما يحقق للسلطة طموحها في البقاء. فيصبح مطلب تغيير النظام ومعه السلطة مسألة ضرورية وملحة لإعادة بناء المواطن من جديد والنهوض بالمجتمع والوطن. لكن هذا صحيح من الناحية النظرية فقط، لأن السلطة لن تسمح بهذا من جهة (ولها أساليب شتى لمحاربة هذا التوجه غير القمع) ولأن المجتمع لن يسمح هو أيضاً بذلك من جهة ثانية ولأن المجتمع غير مهيأ لتقبل مثل هذا التغيير من جهة ثالثة لأنه خارجي بالنسبة له، بمعنى أنه ليس من صنعه. فعندما تطالب المعارضة بتغيير السلطة سوف تقمها هذه الأخيرة ولن تجد المعارضة من يدعمها داخلياً بل سوف تجد دائماً من يؤنبها على فعلها، وهذا في الحقيقة يسبب إحباطاً لها. فالجمهور منقسم إلى غير واعٍ لأسباب أوضاعه بل يتذمر فقط وكأن الفساد مثلاً قوة شيطانية خفية عصية على الإمساك بها وغالباً ما يكون هو نفسه مشاركاً في الفساد بشكل غير مباشر دون أن يدري، وإلى مقتنع بأكاذيب السلطة بأن السبب هو المؤامرات الخارجية التي تحاك ضده، وإلى معتقد بأن المشكلة في بعض الأشخاص في السلطة ولا يلقي بالاً إلى النظام السياسي، وإلى خائف على نفسه من البطش، وإلى من يخشى من استبدال السلطة بأخرى أسوأ، وأخيراً إلى مستفيد مباشر من السلطة ومن فسادها.

وأعتقد أن المعارضة كي تستطيع تغيير النظام السياسي يجب عليها أن تبتعد عن تغيير النظام السياسي! فعلى المعارضة بدلاً من ذلك أن تعمل على ثلاثة محاور:

١- نقد ممارسات السلطة بصورة علمية وليست انتقامية.

٢- النزول إلى الشارع ومعاينة هموم الناس ومعاناتهم اليومية والخروج بحلول لتلك المشاكل تحرج بها السلطة، وتكسب ثقة الجمهور،وتؤسس لبرامج اجتماعية واقتصادية وثقافية وتعليمية تكون حاضرة عند تغيير النظام.

٣- الربط بين أزمات الوطن والمواطن من جهة وبين السلطة وممارسات وفشلها في إيجاد الحلول المناسبة من جهة أخرى.

20 يونيو 2009

المحور الأول: ماهية المعارضة وضرورة وجودها على الواقع

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 5:48 ص
Tags: ,

قبل الخوض في ماهية المعارضة وضرورة وجودها، لا بد لنا من تسليط الضوء بشكل مختصر على مفهوم الدولة والسلطة، لنحدد عن أي معارضة نتحدث.

الدولة

غني عن القول أن مفهوم الدولة نسبي يختلف حسب الزمان والمكان وأخيراً بحسب الفلسفة التي تحاول الإحاطة به. وهذا ينفي بدوره صفة الثبات عن مفهوم الدولة، ويصبح تغير تموضع هذا المفهوم على أرض الواقع ضرورة عقلية ومنطقية. وبالرغم من ذلك، يمكننا استخلاص بعض العناصر التي تشكل نموذجاً كامناً عالي التجريد يفيد في موضوع السلطة والمعارضة.

يمكننا النظر إلى الدولة على أنها نوع من المؤسسات التي يخضع لها جماعة بشرية محددة طائعين أو صاغرين. وتشكل القواعد والقوانين والأعراف أحد أهم أعمدة هذه المؤسسة والتي تحكم العلاقة بين أعضاء الجماعة البشرية التابعة لهذه الدولة. وفي الأساس، فإن مبرر وجود الدولة هو بالتحديد ضبط هذه العلاقة وفقاً لتلك القواعد، أي هذه هي وظيفة الدولة. وبكلمة أخرى تسعى الدولة لتحقيق مصالح أعضاء هذه الجماعة.

يمكن أن يعترض البعض على فكرة أن الدولة نوع من المؤسسات، لأن ليس كل الدول يمكن أن نطلق عليها دولة قانون بل بعضها دول ديكتاتورية، ولأن مفهوم المؤسسات لم يكن معروفاً في العصور التاريخية السابقة. إلا أنه أولاً لا يوجد دولة دكتاتورية وأخرى لا، بل هذه صفات تنطبق على نظام الحكم وليس الدولة. ومن ناحية أخرى، فإن الدولة مؤسسة مهما كان العصر الذي تنتمي إليه ومهما كان نظام الحكم فيها، لأن القواعد والقوانين هي التي تحكم عملها في نهاية المطاف. وحتى عندما كان الملك هو الإله فهذا بذاته قانون يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحتى في الدول التي لا يحترم فيها القانون فهذا بحد ذاته يعتبر قاعدة تحكم العلاقة بين أعضاء الجماعة. ومن ناحية طوعية الخضوع لمؤسسة الدولة من قبل أعضاء الجماعة البشرية، فلا أعني بالصاغرين أولئك الذين لا يوافقين على آلية تسيير الدولة، بل أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم منتمين إلى مؤسسة الدولة هذه بالذات، بل انتماءهم فرض عليهم فرضاً، ومثال على هؤلاء الذي احتلت أرضهم وضمن قسراً إلى أراضي إمراطورية ما، ومثال عليهم أيضاً بعض الأقليات التي تسعى للإنفصل وتشكيل دولة خاصة بهم.

السلطة

لا بد من أن يكون لمؤسسة الدولة قوة فرض القواعد على أعضاء الجماعة البشرية المنتمية إليها، وهو ما يسمى بسلطة الدولة. وهي التي تمتلك صلاحيات تسيير شؤون المؤسسة والأعضاء، وصلاحيات وضع القوانين وصلاحيات فصل الخلافات بين أعضاء الجماعة بعضهم مع بعض من جهة أولى ومن جهة ثانية بين أعضاء الجماعة والدولة. وبدون وجود الشرعية لا يمكن للسلطة أن يكون لها قوة فرض القواعد والقوانين وحتى الأعراف. وتتأتى هذه الشرعية من مبرر ووظيفة الدولة بحد ذاتها.

هذا من ناحية فكرة السلطة بشكلها النظري، لكن تعينها على الأرض الواقع يكون بشكل سلطات ثلاث (منفصلة أو متماهية بحسب النظام المعمول به)، وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والقضاء. ولا بد لمجموعة من أعضاء الجماعة أن يقوموا بتمثيل كل من السلطات الثلاث السابقة، ليكونوا عملياً ممثلي سلطة الدولة. وعادة ما تسمى هذه المجموعة، تجاوزاً، بالسلطة. ومهمتها، لهذه المجموعة، تحقيق فكرة الدولة المتمثلة بالنظام العام.

في الدول التي تسمى بالديمقراطية، يشكل الدستور النظام العام الذي يحتكم إليه في القيام بأي فعل أو في سن أو تعديل القوانين التفصيلية. كما أن شرعية السلطة تقاس بمدى قدرتها على المطابقة بين فكرة الدولة وبين تحققها الفعلي. أما في الدول التي تسمى بالديكتاتورية، أو تجاوزاً الأنظمة الشمولية، في دلالة على التماهي بين الدولة والسلطة. في هذه الدول تستمد السلطة شرعيتها بأساليب شتى، ليس هذا موضوع الخوض فيها، لكنها تهدف فقط إلى الحفاظ على موقعها وعدم السقوط منه، كما أنه غالباً ما تتماهى السلطات الثلاث في سلطة واحدة (فرد أو مجموعة صغيرة أعضاء الجماعة) وهذه الأخيرة تصل حد التماهي مع الدولة بذاتها. وبالتالي فهي الجهة الوحيدة القادرة على فعل كل شيء وأي شيء دون مساءلة ومحاسبة. وبالتالي تقوم بإعادة صياغة وإنتاج النظام العام والقوانين بما يتوافق مع رؤيتها لنفسها وبما يؤمن لها الحفاظ على مواقعها.

المعارضة

نلاحظ أن فكرة الدولة مبنية على وجود جماعة بشرية بحاجة إلى نظام عام يحكم علاقاتها فيما بينها وتكون السلطة (بتمثلاتها الثلاثة) هي الوسيط لأداء هذه الوظيفة.

وإذا تساهلنا في البداية في تعريف المعارضة بشكل عام وقدمنا صياغة بسيطة لها، نستطيع أن نقول أن المعارضة هي عدم الرضى عن فعل ما أو مبدء ما ومن ثم العمل على تغييرة. ومن خلال المقدمة السابقة نستطيع تمييز ثلاثة نماذج (إن صح التعبير) للمعارضة.

النموذج الأول: ينطلق من حقيقة أن مفهوم الدولة غير ثابت ويتغير مع تطور المجتمعات البشرية وحاجاتها ومصالحها، وبالتالي نجد أن هناك حركة مستمرة تعمل على التغيير على المدى البعيد وليس القصير. تؤثر هذه الحركة وتتأثر بكل من مفهوم الدولة والتغيرات المستمرة. هذه الحركة غير مرئية لأنها لا تمثل من قبل مجموعة من الأفراد أو من قبل جهة محددة بذاتها، بل يقودها المفكرون والفلاسفة ويؤثر في مجراها ومدى قبولها باقي أعضاء الجماعة البشرية. وهو ما يمكن أن نسميه صيرورة التطور الإنساني.

النموذج الثاني: لا يمكن أن نراه إلا في الدول ذات النظام الديمقراطي في الحكم، وهنا المعارضة ليس لديها مشكلة من حيث المبدأ بوجود آخرين في السلطة (حالياً) بل تقوم بدور المتابع والمراقب لأفعال القائمين على السلطات الثلاث أو أحدها، بحسب نظام الحكم، وتحاكمه معنوياً أو فعلياً على مدى التزامه بقانون مؤسسة الدولة ومدى تحقيقه تحقيقه لفكرة الدولة أي تحقيقه لمصالح باقي أعضاء الجماعة البشرية.

النموذج الثالث: يفترض أن تعمل المعارضة في هذه الحالة على إحداث تغيير في النظام العام، مباشر وسريع “قياساً بالنموذج الأول”. هذا النظام الذي قامت السلطة الحالية بتعديله لصالح الحفاظ على مواقعها. أي أنها تعمل على إعادة الأمور إلى نصابها، من خلال الفصل بين السلطة القائمة والدولة، وصياغة نظام عام جديد يكون مقبولاً من قبل أعضاء الجماعة البشرية المنتمية لهذه الدولة لتعيد لهذه الأخيرة دورها الفعلي في تحقيق مصالح جميع الفئات وليس الفئة أو الفرد الحاكم فقط. وطبيعة النظام السياسي تحدد شكل المعارضة ووظيفتها، أهي تعمل في مقابل سلطة آنية في إطار تداول السلطة، أم تعمل لتغيير النظام السياسي العام الذي يحكم العلاقات السياسية. لكن طبيعة الحكم لا يجب أن تنعكس على ممارسات المعارضة، أي إن كان نظام الحكم شمولي لا يجب أن تكون المعارضة شمولية ونفس الأمر ينسحب على الإلغائية والاستئثارية…الخ. عندما يوجه نقد ما إلى معارضة في ظل نظام ديكتاتوري، فهو لا يجب أن يوجه لشكلها ووظيفتها، لأن الواقع فرض عليها هذا، لكن يوجه إلى كيفية ممارستها للمعارضة. فهل هذه المعارضة ديمقراطية حقاً لنقبل منها الدعوة إلى تداول السلطة، أم المشكلة بالنسبة لها هي الوجوه والأشخاص، وإبعادها عن السلطة؟ في هذه النقطة بالتحديد يجب أن نكون جداً دقيقين وحذرين عندما نتعامل مع معارضة محددة، فلا يجب أن نخلط بين شكلها ووظيفتها التي تتحد بشكل نظام الحكم وبين ممارساتها التي تكشف وعيها لذاتها. فإن كانت ممارساتها تنم عن فكر شمولي إلغائي فعندها لا نستطيع إلا أن نراها هي والنظام الحاكم وجهان لعملة واحدة. وإن كانت لا تقوم سوى بالانتقاد والتجريح بالنظام الحاكم وتحديداً بأشخاصه فعندها يمكننا أن نقول أنها لم تشكل وعيها الخاص بذاتها، بل إن سلوكها هو مجرد رد فعل على ما وقع عليها من ظلم (والأدق، على شخوصها)، أي أنها تعي ذاتها فقط على أنها نقيض نظام الحكم، وبذلك يكون وعيها الذاتي مزيفاً وذو نزعة انتقامية. وبالرغم من أن كلامي يبدو أنه يدور حول المعارضة السورية فقط، إلا أنه من الطبيعي أن نجد هذه الممارسات في أي معارضة ضد نظام حكم ديكتاتوري، إلى أن تتعلم المعارضة من أخطائها وتستطيع صياغة مشروع تغيير حقيقي تعمل على أساسه بغض النظر عن الممارسات القمعية التي تتعرض لها، عندها فقط نستطيع أن نتحدث عن معارضة قادرة وفاعلة وواعية لذاتها.

ولأن النموذج الأول من المعارضة يوجد بشكل طبيعي في جميع الأمم والجماعات البشرية والدول، وإن بشكل نسبي وبأشكال مختلفة، فليس هو موضوعنا هنا. ولأننا نعيش في سوريا في ظل نظام شمولي، فمن المؤكد أن محور النقاش كله يدور حول النموذج الثالث للمعارضة.

وبذلك أكون قد بينت، من وجهة نظري، ومن خلال مفهوم الدولة والسلطة والمعارضة، ماهية المعارضة وضرورة وجودها.

19 يونيو 2009

بعد الندوة الحوارية حوال المعارضة السورية

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 6:00 م
Tags: ,

خاض مجموعة من المدونين السوريين حواراً حول المعارضة السورية على مدونة المرفأ الخاصة بالصديق عمر مشوح.

وأردت هنا في مدونتي وضع مداخلاتي الخاصة في هذا الحوار ولكن ببعض التصرف، حيث أني سوف أعدل بعض المقاطع ذات الطبيعة الحوارية المباشرة وأحولها إلى نص عادي، كما أنني سوف أنشر مداخلاتي في خمس تدوينات بحسب المحاور الخمسة للنقاش بواقع تدوينة كل يوم اعتباراً من صباح الغد. مع العلم أن الصديق عمر مشوح صاحب الفكرة قام مشكوراً بجمع كل المداخلات مرتبة في ملف واحد.

وهدفي من نشر مداخلاتي الآن وهنا أنني بصدد نشر بعض المقالات حول المعارضة السورية وخاصة بعد متابعتي لقناة بردى الجديدة والتابعة لائتلاف إعلان دمشق وبعد متابعتي الأخيرة لجميع الآراء المنشورة على موقع النداء الخاص بهذا الائتلاف، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن هذه المعارضة ميؤوس منها في أن تستطيع فعل شيء وإن استطاعت فلا أثق أن ما تفعله هو لصالح الوطن والمواطن، كما فقدت الثقة قبلاً بإمكانية إصلاح النظام في سوريا.

———————————————–

مواضيع ذات صلة

المعارضة السورية: إعلان دمشق ج1

المعارضة السورية: إعلان دمشق ج2

المعارضة السورية: إعلان دمشق ج3

المعارضة السورية: إعلان دمشق ج4

المعارضة السورية: إعلان دمشق ج5

9 يونيو 2009

كذبة الديمقراطية اللبنانية…مقارنة ساذجة مع سوريا

  • في سوريا قائد واحد إلى الأبد، في لبنان قادة وزعماء إلى الأبد حتى يموتوا

  • في سوريا يورث الحكم إلى ابن القائد، في لبنان يورث الحكم إلى أبناء وأحفاد كل القادة معاً.

  • في سوريا ديكتاتورية الحزب الواحد المطلق، في لبنان ديكتاتورية عدة أحزاب مطلقة

  • في سوريا فساد في الصف الأول لا أحد يستطيع التحدث عنه ونقده، في لبنان فساد يتحدث عنه كل الزعماء الفاسدون.

  • في سوريا لا يوجد صحافة حرة، في لبنان يوجد صحافة حرة مسيطر عليها من قبل الزعامات.

  • في سوريا مجلس نواب لا يمثل الشعب، في لبنان تحصل المعارضة على أكثر من 800 ألف صوت ولا تحصل على الأغلبية النيابية مقابل الموالاة التي حصلت على أقل من 700 ألف صوت وتحصل على أكثرية المقاعد!

  • في سوريا لا تشترى أصوات الناخبين لأن النتيجة محسومة سلفاً تقريباً، في لبنان تغدق ملايين الدولارات لشراء الأصوات.

ألم أقل أن المقارنة ساذجة؟ لكنها مؤلمة!

9 مارس 2009

حوارية حول المعارضة السورية

يندرج تحت تصنيف : تدوين, سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 1:58 م
Tags: , ,

يبدأ مجموعة من المدونين السوريين حواراً حول واقع ومستقبل المعارضة السورية. لمتابعة الحوار إضغط هنا.

الصفحة التالية »

المدونة لدى WordPress.com.