الجلاء…والذاكرة المشوهة
كان الاحتفاء بيوم السابع عشر من نيسان، عيد الجلاء، يحدث على المستوى الشعبي. يتبادل السوريون التهاني ويتمنون لبعضهم البعض أعواماً قادمة ملؤها الخير والتفاؤل. هذا ما سمعته وقرأته عن تلك الفترة التي سبقت مولدي بزمن طويل. لكن لم يعن لي هذا اليوم شيئاً عندما كنت تلميذاً صغيراً أكثر من أنه يوم عطلة أو حتى يوم رحلة (فكثير من الرحل المدرسة كانت تتم في هذا اليوم كونه عطلة ويصادف بداية فصل الربيع). لم أكن أميز بين هذا اليوم ويوم الثامن من آذار أوالسابع من نيسان أو السادس عشر من تشرين الثاني، لأن الاحتفالات كانت تتم بنفس الطريقة وكأنها نفس المناسبة تتكر عدة مرات في العام الواحد. كنا نردد النشيد العربي السوري ونشيد البعث وتنطلق الخطبة تلو الخطبة تقدس القيادة السياسية التاريخية وتمارس عملية غسل الدماغ حتى اعتقدنا أن السلطة والوطن متماهيان حتى الاتحاد (بالمعنى الحلاجي للكلمة). أما الآن فأنا أشعر بالحزن لأني لا أستطيع تقمص ذلك الشعور بالفرح في هذا اليوم، أكذب إن قلت أني أحتفل بهذا العيد، أو يظهر علي أي مظهر يوحي بأنه مختلف عن باقي أيام السنة، بل وربما سوف أشعر بالخجل إذا قلت لأحد أصدقائي أو أقاربي “كل عام وأنت بخير” فسوف يقول لي: ما المناسبة؟” لم يعد يعني لنا هذا العيد شيئاً، فقد ارتبط، في لاوعي المواطن، بالسلطة وبتمجيد تاريخها النضالي بينما لا ينعكس هذا التاريخ سوى على شكل فقر وبطالة وقمع وخوف وانحطاط أخلاقي. وأشعر بالخجل أيضاً عندما أقارن بتضحيات ذلك الجيل الذي لم يأبه بكل الضيم الذي وقع عليه في سبيل نيل الاستقلال، بينما جيلنا وجيل آبائنا لم يفعلا شيئاً في سبيل تحقيق حياة كريمة تليق بإنسانيتنا في وطننا وفي سبيل نيل الحرية، فالخوف يسكن معنا في بيوتنا ويدخل غرف نومنا ويذهب معنا إلى العمل بل ويسكن في كل قطرة دم تجري في عروقنا حتى أننا نطعمه لأبنائنا، وها أنا ذا لا أنشر باسمي الحقيقي، لماذا؟ لأني خائف ببساطة ومازلت أحاول التغلب على هذا الخوف، لكني لما أنجح بعد.
على كل حال، لا يمنعنا كل ذلك عن قول كل عام وسوريا بخير وكل مواطن سوري بخير، ونتمنى أن نحتفل العام القادم بعيد الجلاء وعيد تحرير الجولان المحتل وعيد انتصارنا على خوفنا وعيد حريتنا وحرية كل معتقلي الرأي.
عزيزي انسان حر,
إنّ ما تبقّى من سوريتي هو الموروث, هي تلك اللحظة التاريخيّة, فهي من أحتفل, أحتفل اللحظة السورية الصادقة, علّها يوما ما تحضر من جديد.
كل عام وسوريا بخير, وشعبها بخير. وعقبال تحرير الجولان المحتل.
التعليق: بواسطة Razan — أبريل 17, 2008 @ 3:40 م
وددت التعليق فلم أجد أكثر مما أبدعته رزان، وكل سنة والسوريين جميعاً بألف خير.
التعليق: بواسطة Alloush — أبريل 18, 2008 @ 12:25 ص
سررت بمروركما رزان وعلوش…
إن ما تبقى من سوريتي ليس الموروث فقط بل أكثر من ذلك، الأمل في المستقبل، في مستقبل نشعر به بمواطنيتنا، بحريتنا الحقيقية، بكرامتنا الإنسانية…
التعليق: بواسطة Free Man — أبريل 18, 2008 @ 12:42 م
أن يشعر المواطن السوري بكلّ ذلك الضيم فيرفع سلاحه بوجه المستعمر ويقدم الشهداء كأضاحٍ رخيصة في معبد الحرية المطلقة.. ثم ينتزع تلك الحرية الحمراء من براثن عدوّه بالسلاح والقوّة.. نقطة انتهى.
بعد كل هذه السنين على عيد الاستقلال ما زال المواطن يناضل لينال استقلاله، أصبح الأمر صعباً جداً، يسعى هذا المستلَب أن ينال قليلاً من حريته أن يتنفس قليلاً أن يُفتح كوة صغيرة يطلّ بها على السماء.. بعد كل تلك التضحيات التي قدّمها أجداده لا يجد هذا المواطن طعماً لهذه (الحرية) المزعومة، وما يزال يناضل منذ يوم الاستقلال إلى حدّ هذا اليوم..
ويقولون استقلال..
نحتاج أن نستقل أولاً من قيد الكرسي وسوط الجلاد..
وما زلت تنكأ الجروح القديمة..
تقديري
التعليق: بواسطة medaad — أبريل 18, 2008 @ 1:23 م