The Free Men We Are

23 يونيو 2009

المحور الرابع: نقاط ضعف وقوة المعارضة السورية

يندرج تحت تصنيف : سوريا, فكر وسياسة — Free Man @ 1:00 م
Tags: , ,

لابد قبل البدء بنقد المعارضة السورية أن ننوه إلى أنها حديثة العهد نسبياً في العمل السياسي. فمنذ تسلم حزب البعث السلطة في سوريا عمل جاهداً على استئصال أي حالة سياسية أخرى غيره حتى أولئك الذي كانوا يعتبرون حلفاؤه في وقت من الأوقات. وكانت آخر ما يمكن أن يسمى نشاطاً معارضاً حركة الإخوان المسلمين في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بغض النظر إن اتفق البعض أو اختلف مع فكر وممارسات الإخوان. ومن ثم دخلت بعض الأحزاب في ائتلاف الجبهة التقدمية والبعض الآخر دخل في حالة من السبات، إلى أن شهدت سوريا نوعاً من الحراك السياسي مع استلام الرئيس بشار الأسد الحكم الذي أعطى وهماً برغبته في الإصلاح وخاصة في المجال السياسي. وبالتالي فإن بعضاً من النقد يوجه إليها على أساس التكتيكات التي اتبعتها المعارضة دون الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود تراكمات سابقة في العمل في مجال الشأن العام، وفي نفس الوقت فإن حداثة العهد هذه تشفع لهم بعض الأخطاء التي ارتكبوها كما تشفع لهم التضحيات التي قدموها في هذا الوقت القصير نسبياً. فخلال الثماني سنوات السابقة تعرض عدد كبير منهم للسجن لمدد مختلفة، وقضى البعض معظم هذه الفترة في السجون مثل الدكتور عارف دليلة ورياض سيف. لكن ومع احترامي لهذه النضالات، لابد من توجيه النقد والنقد القاسي أحياناً حتى تستطيع الأجيال القادمة جني ثمار هذه التضحيات، إلا إن كانت كل تلك التضحية في سبيل تحقيق المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، وهذه الحالة الأخيرة موجودة بالفعل عند بعض من يسمون أنفسهم معارضين، والذين يحاولون استثمار ما تعرضوا له من قمع للوصول إلى غايات معينة، وخير مثال على ذلك مأمون الحمصي الذي قلت رأيي فيه بصراحة في غير مكان على صفحات مدونتي وخاصة في مقالي “في المعارضة السورية” ولا أرغب بتكرار الحديث عنه مرة أخرى هنا.

ومن خلال متابعتي للعمل المعارض في سوريا، أجد أنه يعاني الكثير من الإشكالات ومن أهمها:
1- ضعف الأساس الفكري: إن أزمة المجتمعات العربية هي أزمة فكر قبل كل شيء، وتاريخنا المهزوم هو تاريخ انهزام الفكر العربي. إن المتابع لحركة الفكر العربي المعاصر (بعد الحرب العالمية الأولى) يلاحظ أن المفكرين العرب قاموا في أغلب الأحيان بتمثل الفكر الغربي، والقلائل هم الذين أصلوا لفكر خاص يعبر عن حركة التاريخ والمجتمع في هذه المنطقة. فعلى سبيل المثال قلما نجد شيوعيين يفهمون جيداً ماهية الشيوعية (ولا أدعي فهمها من قبلي بقدر ما أدعي أني قابلت الكثيرين اللذين لا يعرفون من الشيوعية سوى قبعة غيفارا أو مقولة لينين بأن الدين أفيون الشعوب). هناك على الدوام انبهار بانتصارات الفكر الغربي بشتى تياراته وبحسب السائد في وقت من الأوقات، والموجة الليبرالية التي تجتاح المجتمعات العربية دون رحمة خير دليل على ذلك، لكن للأسف لم يؤخذ من تلك الليبرالية سوى ما قدمته الثقافة الأمريكية الاستهلاكية لنا. وإذا رأينا أن الثقافة الاستهلاكية تقتصر على تعظيم الرغبة في الاستهلاك فنكون بذلك مخطئين جداً، لأن الثقافة تعني في وجه من أوجهها منظومة قيمية متكاملة، وثقافة الاستهلاك ليست استثناءً من ذلك، فهي منظومة من القيم والأخلاق والعادات التي يتمثلها المجتمع، فيصبح الحكم على قيمة ما من خلال قدرتها على تحقيق المكاسب فحسب. لقد استطردت في هذه الفكرة قليلاً لكي أوضح مدى التقليد الأعمى الذي يقوم به من يدعون أنفسهم بالمثقفين العرب، إنهم مؤدلجون ومبهورون، لا يلبث أحدهم بعد أن ينبهر بفكرة ما وبانتصار تلك الفكرة في مكان ما من الغرب حتى تراه حملها وطار بها إلى مجتمعه وكأنها الوصفة السحرية لجميع الأزمات ويا ويل من لا يقتنع بوجهة نظرهم، فهو متخلف وغير راغب باللحاق بركب الحضارة الإنسانية. كان هناك استثناءان في تاريخ الفكر العربي من وجهة نظري، التيار القومي والتيار الإسلامي، فكلاهما حاول بناء أسسه الفكرية الخاصة وتأصيلها انطلاقاً من معايير معينة تخص المنطقة. لكن وبرأيي الشخصي فشل هذان المشروعان عملياً، لأن الأول ظل متأثراً بشكل أو بآخر بفكرة القومية الغربية وحاول تطبيقها دون أن يلاحظ الاختلافات الجوهرية بين هنا وهناك، والثاني لم ينفك عن التمثل بالماضي ومحاولة تطبيقه قسراً على الحاضر (ليس هنا مجال نقاش المشروع القومي والمشروع الإسلامي، لكن كان هذا مجرد إبداء رأي سريع ليس إلا بما يخدم الفكرة الأساسية). وبالنتيجة يبقى الفكر العربي إما تابعاً للغرب أو مشدوداً إلى الماضي وغير قادر على التقدم إلى الأمام، وعندما يكون الفكر مشلولاً وغير قادر على الإنتاج لا يمكن التعويل عليه في طرح الحلول للأزمات التي نعاني منها.
2- تباين كبير في المشاريع وفي الرؤى الوطنية مما ينعكس على شكل تسويات وتوليفات ضعيفة البنية في المشاريع المطروحة. ومن أمثلة هذه التباينات، النظر إلى المسألة الكردية والإسلام السياسي والقومية العربية والليبرالية والعلمانية والعلاقة مع المحيط العربي والإقليمي والعلاقة مع الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وفي كثير من الأحيان تأتي الديمقراطية لتغليف لهذه التباينات أو في أحسن الأحوال تعيش المعارضة وهماً بأن الديمقراطية هي الجامع الوطني ونقطة الالتقاء الأساسية بين مختلف التيارات. لكن في الحقيقة لم تحسم أي قضية خلافية بعد وهي مرشحة إلى التحول إلى أزمات بين أطياف المعارضة في أي لحظة كما حدث عندما شكل الإخوان المسلمون جبهة الخلاص مع عبد الحليم خدام، وكما حدث بعد اجتماع المجلس الوطني لائتلاف إعلان دمشق وما نتج عنه من انشقاقات عميقة وصلت حد التخوين الخارجي أو السلطوي.
3- غياب الثقافة الديمقراطية في ممارسات المعارضة الداخلية (داخل الحزب أو التجمع الواحد) والبينية (محاولات إقصاء الآخر وتخوينه في كثير من الأحيان) مما يظهر المعارضة على أنها صورة عن السلطة. ومن هنا السؤالين الكبيرين: 1- كيف يمكن أن يثق الجمهور في معارضة تنادي بالديمقراطية وتطالب بها وهي لا تتعاط معها داخلياً؟ وهذا من شأنه أن يوحي بأن هذه المعارضة هي مجرد طالب آخر للسلطة ليس إلا. 2- كيف تتسق المعارضة مع نفسها عندما تدعي أن غياب الديمقراطية يولد دائماً فساداً وترهلاً في مؤسسات الدولة والسلطة، وفي نفس الوقت هي لا تمارس الديمقراطية على نفسها لتنتج معارضة فعالة ومتجددة؟ ويكفي أن نتتبع الأحزاب السورية الرسمية والغير رسمية والكردية منها ولنسأل: متى آخر مرة تم فيها تغيير القيادة فيها في حالات غير الوفاة؟ حتى أن بعض الأحزاب أو تلك المجموعات المنشقة منها تحمل أسماء قيادييها، واعجبي!
4- غياب الوعي الذاتي للمعارضة، وبالتالي تظهر أفعالها على شكل ردود فعل انفعالية وغير مدروسة لممارسات السلطة ولوضع السلطة الداخلي والإقليمي والدولي. وهذه النقطة في الحقيقة هي نتيجة لدراسة سلوك المعارضة السورية وممارساتها على أكثر من صعيد. وغياب الوعي الذاتي لا يتجلى بالضرورة بنفس الشكل عند كل أطياف المعارضة، بل يختلف في كثير من الأحيان بين هذا التيار وذاك وبين هذا الائتلاف وذاك التجمع، وربما نجد قواسم مشتركة فيما بين معظمها مثل الخطاب الكيدي وغياب الممارسات الديمقراطية الكيدي على سبيل المثال.
5- نتيجة العديد من العوامل ومنها غياب الوعي الذاتي نجد عدم وجود إستراتيجية عمل واضحة ليس فقط على مستوى المعارضة السورية ككل، بل على مستوى المجموعات الأصغر، الائتلافات والتحالفات وحتى الأحزاب. فهي ليس فقط لا تملك مشروعاً متماسكاً لما بعد التغيير أو تصوراً واضحاً لمسألة الدولة والسلطة والقانون، بل أيضاً أكاد أجزم أنه ليس لديها تصور لكيفية التغيير بحد ذاتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن الكثير من جهد ونشاط المعارضة ينصب في مطالبة النظام عن الكف عن كونه ما هو عليه!
6- عدم الأخذ بعين الاعتبار أن الحامل الحقيقي للتغيير هو المواطن، فالعمل منه وإليه، وغير ذلك يصبح أي حديث عن التغيير هو مجرد أوهام، أو هو يهدف إلى استبدال السلطة بأخرى لا تختلف عنها. فنلاحظ أن العمل المعارض في سوريا نخبوي لا يخرج عن كونه محاولة تطبيق نظريتي التغيير اللتان أتيت على ذكرهما سابقاً. إن المعارضة تضيع الكثير والكثير من جهدها ووقتها في انتقاد (وليس نقد) السلطة والنظام ومحاولاتها ضعيفة في مجال نقد ودراسة الوضع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والقانوني للجمهور السوري. أعلم أنه من الصعب جداً الوصول إلى الجمهور مع كل هذا التقييد والحصار الذي يفرضه النظام على المعارضة، لكن هل يجب أن تستكين المعارضة لهذا الأمر وتظل تصيح لا يسمحون لنا بالاتصال بالناس؟ أعتقد أن المواطن هو من سوف يأتي إلى المعارضة عندما تأتي هي إليه من خلال الاهتمام به وبمشاكله اليومية ومن خلال الدفاع عنه في كل مناسبة.
7- الاكتفاء بالعمل السياسي الصرف (مسألة السلطة والانتخابات) والابتعاد عن أساليب عمل مؤسسات المجتمع المدني، وحتى تلك المؤسسات الموجود حالياً فعملها مسيّس ولا تهتم سوى بخرق النظام لحقوق الإنسان السياسية. فعلى سبيل المثال تنادي المعارضة معظم الوقت بحق المواطن باختيار ممثليه بشكل حر ونزيه وبإجراء انتخابات دورية لتداول السلطة وفي ترشيح نفسه للنيابة أو حتى لرئاسة الجمهورية لمن يستوفي الشروط، وكأن هذا المواطن الذي لا يجد لقمة عيشه أو ذاك الذي استملك منزله وشرد في الشارع في وارد التفكير بما يسمى صندوق اقتراع!ومن جهة أخرى فإن جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان والتي تمثل الشكل الوحيد تقريباً من مؤسسات المجتمع المدني الموجودة في سوريا لا تطالب في معظم الأحيان في حقوق المواطنين إلى فيما يتصل بالشأن السياسي، فهي في الغالب تهتم بالاعتقالات التعسفية (هي إما سياسية أو تتصل بموضوع حرية التعبير)، ومما يزيد الأمر سوءً نخبوية وفئوية مسألة حقوق الإنسان لديها، فهي من جهة تركز على المعتقلين السياسيين الكبار على حساب أي مظلوم آخر في هذا الوطن، ومن جهة أخرى نجد أنها في بعض الأحيان تنتقي حالات معينة وتدافع عنها، فإن كان المعتقل إسلامياً نحد صمتاً مطبقاً من الكثير جماعات حقوق الإنسان، وإن كان علمانياً نجد سكوتاً من جماعات أخرى. فهل سوف يلقى صوتها هذا أذناً صاغية من أي مواطن؟ وماذا لو قامت منظمات حقوق الإنسان بالتصدي لظاهرة تهجير المواطنين من مساكنهم دون تعويضات مثلاً؟ كم من الناس سوف يلتف حولها؟ وخاصة أن الكثير من العاملين في هذا المجال هم محامون!
8- ضعف فهم سوسيولوجيا الجمهور، كما فصلت في المحور السابق

ملاحظة: بالنظر إلى هذه النقاط، سوف نجد أنها متداخلة بشكل كبير وبالتالي يبدو الحديث عن أحدها في بعض الأحيان على أنه حديث عن الأخرى، وحتى أنه يصعب ترتيب تلك النقاط على قاعدة السبب والنتيجة. كما أني لم أذكر “غياب مشروع وطني متكامل للمعارضة السورية” لأن هذه الفكرة في الحقيقة متضمنة في معظم هذه النقاط إن لم يكن في جميعها.

تعليقات »

  1. شكراً جزيلن لهاذا المقال

    Comment بواسطة Rams — 23 يونيو 2009 @ 10:23 م | رد

  2. يسرني وجودك هنا رامز، وشكراً على لطفك.

    Comment بواسطة Free Man — 24 يونيو 2009 @ 9:35 ص | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

أضف تعليق

المدونة لدى WordPress.com.