The Free Men We Are

4 يوليو 2009

رد على مدونة متابعات عقبة: إزهاق الأرواح ليس قضية تافهة

هاجمت مدونة عقبة بشدة الحراك الاجتماعي الذي نشأ ضد مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية حتى أنه وصفها بالـ “الجمل الذي تمخض فأنجب فأرا”ً.

أولاً وقع عقبة أثناء نقاشة في عدة أخطاءً تقنية كبيرة ربما يكفي ذكرها لنسف كل الأساس الذي قامت عليه تدوينته

-          خلط المادة 548 المقبورة من قانون العقوبات مع مسودة قانون الأحوال الشخصية. فالأول لا دخل له بالآخر بأي شكل من الأشكال. فهذه المادة تحل القاتل من العقوبة في حال ما يسمى زوراً “الشرف”. أما قانون الأحوال الشخصية فهو مخصص لمعالجة أحوال الزواج وما ينتج عنه في كافة المجالات ولا علاقة له لا بالقتل ولا بالشرف.

-          ما تم تعديله ليس مسودة مشروع الأحوال الشخصية بل هو تحديداً المادة 548 من قانون العقوبات.

-          أما مسودة القانون فلم تقبل لا شكلاً ولا مضموناً، أي أنها رفضت.

-          الحراك الذي حدث مؤخراً لم يكن ضد جرائم الشرف بل ضد مسودة المشروع وكان ذلك بسبب خطورة تبني مثل هكذا مشروع وسوف آتي على ذلك لاحقاً، أما فيما يخص جرائم الشرف فهناك حملة مستمرة ضد المادة الملغاة 548 ولكنها لم تكن يوماً بهذا الزخم والتكثيف.

فيما يخص المادة 548:

عبر الجميع برأيه صراحة أن التعديل الذي حدث رغم احتوائه على إيجابيتين فإنه غير كاف، ولكن هناك مكسب جزئي لا نستطع إنكاره بقولنا أن “النتيجة أقل من صفر”.

والأهم من ذلك فإن إزهاق أرواح ما يعادل 300 امرأة وفتاة سنوياً في سوريا وحدها تحت ستار الشرف ليس بالـ “القضية التافهة” أبداً كما وصفها عقبة. لم ولن تكون الأرواح أرخص من حرية سجناء الرأي، ولن تكون أرخص من لقمة العيش ولن تكون أرخص الحريات السياسية والعامة والفردية، ولن تكون أرخص من المليارات مهما كثرت التي يسرقها مسئولو السلطة والنظام. الإنسانية لا تتجزأ، إن اعتبرنا أن الدفاع عن هذه الأرواح هو “قضية تافهة” فلا أستطيع ضمان النوايا من معارضة النظام والمطالبة بالسلطة حينها!

فيما يخص مسودة قانون الأحوال الشخصية:

مرة أخرى يعي الجميع أن ما حدث من رفض مسودة هذا القانون ليس آخر المطاف وليس المكسب النهائي في طريق إقرار قانون يساوي بين جميع المواطنين، بل كان هناك وعي واضح أن هذه أول جولة في المعركة، وأن هناك احتمال قوي أن يكون الرفض مجرد مناورة لاحتواء هذا الحراك الجماعي الذي هو أكثر ما يخشاه النظام السوري. أي أن لا أحد يتوهم النصر الكبير.

لن أخوض في تفاصيل مواد هذا المشروع المشئوم، لأنه تم تناوله بكثير من التفصيل وخاصة على موقع نساء سوريا ومن قبل العديد من المدونين السوريين مثل مدونة أمواج إسبانية ومدونة حسين غرير و مدونة أعواد ثقاب، لكن أستطيع أن ألخص خطورة هذا المشروع ببضع نقاط قليلة:

-          سن ما يسمى بقانون الحسبة في المادة 38 من المسودة والتي تسمح لأي كان رفع دعوى تفريق بين أي زوجين.

-          التفريق بين المواطنين بحسب انتمائهم الديني فلدينا بحسب الترتيب مسلم ثم مسيحي ويهودي أما الغير كتابي والمرتد فهما ليسا بمواطنين ولا يحق لهما الزواج. ماذا نريد أكثر من هكذا قانون يبث الفرقة والأحقاد الدفينة بين أبناء الطوائف والأديان المختلفة، حتى لو لم تكن ظاهرة للعيان إلا أنها تبقى كالقنبلة الموقوتة يمكن أن تنفجر وتتحول إلى حرب أهلية في أي لحظة. راجع مقال حسين غرير المشار إليه آنفاً حول هذه النقطة بالذات.

-          مرة أخرى، فإن التعدي على تشريعات الأديان الأخرى لا تؤدي سوى إلى زيادة الاحتقان الطائفي. فعلى سبيل المثال، شرع القانون للمسيحيين بالزواج من اثنتين. وأعلم أن عقبة يرفض هذا الأمر، لكن لا يجب التقليل من خطورته أبداً.

-          فيما يخص أسلمة سوريا وسطوة رجال الدين التي يتحدث عنها، فلا أستطيع إلا أن أرى في هذا المشروع سوى محاولة استئثار الوطن لصالح طائفة واحدة بحسب تصور منحرف لـ (بعض) رجال الدين وفي مقابل ذلك يتحالف هذا البعض مع رجال النظام في سبيل إحكام الطوق على كل فكر يريد الحرية والتحرر لسوريا وطناً ومواطنين من خلال إعادة إنتاج الغرائز الطبيعة الطائفية بدل من تعزيز الانتماء العقلاني السياسي إلى وطن واحد للجميع.

-          كل ذلك ناهيك عن الظلم الذي يلحق بالمرأة من وراء هكذا قانون بوصفها نصف المجتمع وبالأطفال الذين يفترض بهم بناء الوطن. فيكف نريد بناء وطن حر متقدم ونحن نلغي نصف المجتمع وننشئ جيلاً مهزوزاً مهزوماً؟

فيما يخص المعارضة والعمل المعارض

لن أثق بأي معارض لا يحمل أصغر هموم المواطن على كتفيه، وإن لم يفعل فليتنحى ولينضم إلى قائمة المستقيلين عقلياً وفكراً وإنسانياً ولا يسمي نفسه معارضاً بعد الآن. لقد قلت في غير مكان على مدونتي هذه أن أكبر الأخطاء التي ترتكبها المعارضة السورية هي الانشغال بالشأن السياسي الصرف من تداول للسلطة وحرية الرأي واعتقال النشطاء السياسيين على حساب الانشغال بهموم المواطن اليومية، ومن يرغب بالمزيد من الإطلاع على رأيي في هذا الموضوع يرجى مراجعة مداخلاتي في الندوة الحوارية حول المعارضة السورية التي أقيمت على مدونة المرفأ والتي أعدت نشرها هنا على مدونتي.

وختاماً، لا يستطيع أي أحد أن يحارب كل الأخطاء بنفسه، بل لكل اهتماماته وتخصصه واتجاهاته ودوره في طريق التحرر، وهذا الطريق هو عبارة عن مسارات متوازية لا يمكن ترك أحدها والتركيز فقط على الآخر، بل كلها قضايا وطنية تعنينا بكل تفاصيل حياتنا. وأنا على يقين أن الحراك الاجتماع في سبيل القضايا الاجتماعية هو المفتاح لتفعيل الحراك في سبيل القضايا السياسية، وهذا الأمر الذي سوف آتي عليه مرة أخرى في القريب العاجل بمزيد من التفصيل.

كلمة أخيرة إلى عقبة: لا أقوم بالعادة بـ (تمسيح الجوخ لأحد) ولكني لا أشك للحظة واحدة في حسك الوطني الصادق المحب ولا تحتاج شهادة مني بالتأكيد، لكن هذا لا يمنحك الحق على ما أعتقد ببخس جهود الآخرين، مهما كان المكسب صغيراً من وجهة نظرك.

تعليق واحد »

  1. [...] المدونات. تفضل الأخ الرجل الحر..صاحب المدونة الحرة، بالرد على ما طرحته في التدوينة الماضية من انتقاد رآه شديداً [...]

    التنبيهات "Pingback" بواسطة الرجل الحر، هو استحراك وليس حراك اجتماعي..(ردا على رد) — 5 يوليو 2009 @ 10:39 ص | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

أضف تعليق

المدونة لدى WordPress.com.