The Free Men We Are

3 اغسطس 2009

سوريا… إلى أين؟

كنت معتاداً أن أتردد إلى مقاهي دمشق القديمة منذ أكثر من عشر سنوات عندما لم يكن هناك سوى بضع مقاهي معدودة على أصابع اليد الواحدة، إلى أن دخلت أنا وصديقي قبل عامين إلى أحد تلك المقاهي “عالبال” والذي (كان) عزيزاً على القلب، وفوجئنا أن المسؤول عن حجز الطاولات رفض استقبالنا لأننا فقط لسنا (عائلات) أي لا يوجد برفقتنا إناثاً! استشطنا غضباً وشعرنا بإهانة شديدة وقررنا عدم العودة إلى هذا المقهى مرة أخرى، لكن الأمر لم ينته هنا، بل رفضت كل المقاهي استقبالنا لنفس السبب (وقاطعت مقاهي دمشق القديمة منذ ذلك الحين إلا في حالات الضرورة). ناقشت الأمر حينها مع صديقي ثم لاحقاً مع آخرين، وكنت أقول أن إعلام البترودولار خرب عقول الناس وجعلها فارغة ومحشوة بكل تفاهة من الأغاني الهابطة إلى التعصب الديني. وبررت للحكومة سكوتها عن هذا الأمر أنه ليس من عادتها أن تهتم لشؤون الناس ما لم يكن للقائمين عليها مصلحة شخصية مباشرة. لكني واثق الآن أن تقديراتي وتوقعاتي كانت خاطئة تماماً.

قبل شهرين من الآن تقريباً تسرب مشروع قانون الأحوال الشخصية المقيت، وأقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متطرف وطائفي وذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث. وكنا على قناعة تامة أن المعركة لم تنته بعد مع أولئك الأصوليون المتطرفون الذين بثوا فكرهم الظلامي والتكفيري في كل كلمة تألف منها هذا القانون وبدعم حكومي رسمي. وها هي الأمانة السورية للتنمية التابعة نظرياً لوزارة الشؤون الاجتماعية للعمل وعملياً لرئاسة مجلس الوزراء تأخذ قراراً (بحسب موقع نساء سوريا) بطرد خمسة من كبار الخبراء المتعاقدين معها لصالح الهئية السورية لشؤون الأسرة بعد مضي أقل من شهرين على تجديد عقدهم السنوي ومن دون أن يكلفوا أنفسهم بتبرير هذا التصرف، وما ذنب هؤلاء إلا أنهم عارضوا مشروع قانون الأحوال الشخصية وقبل ذلك تقدموا بمشروع قانون عصري لحقوق الطفل ومشروع قانون النفقة والتكافل الاجتماعي (بالتعاون مع الاتحاد العام النسائي).

قرأت ذلك الخبر اليوم أولاً على موقع كلنا شركاء ورافقه خبر آخر على نفس الموقع، ليس أقل منه سوءً من حيث المضمون والتحليل النهائي، يقول بأن فرع نقابة المحاميين في دمشق يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في القاعة الكائنة بجانب وزارة المالية المخصصة للمناسبات! نعم هكذا، إن المحاميين الذين جرت العادة أن يقودوا الحركة الفكرية والحقوقية والسياسية في جميع بلدان العالم يصبحون في سوريا أذناباً تابعة لسلطة ديكتاتورية فاسدة ولبعض أصحاب العمامات البيضاء الذين اختاروا السواد لوناً لقلوبهم وعقولهم.

يبدو أن القرار قد اتخذ قبل سنوات للتحالف، أو التواطؤ على أقل تقدير، مع المتطرفين من رجال الدين (ونسائه) لإحكام القبضة على السوريين من كل الجهات، فمن الإفقار والإفساد ومحاصرة الشعب في لقمة عيشه وفي كل تفاصيل حياته من ماء وكهرباء وهواء وخنق كلمته وحريته إلى تجهيله وتكفيره وإفراغ المجتمع من كل قيمة أخلاقية وثقافية.

لكن هيهات أن ينجحوا في تحقيق مآربهم، فلن نغادر سوريا وسوف نبقى شوكة في حلوقهم جميعاً مهما طال الزمن ومهما رموا من قذاراتهم في سوريتنا ليطردوننا منها وسوف نستمر بتنظيفها ونعلم أبناءنا وأحفادنا السبيل إلى تنظيفها حتى يفهموا أن سوريا ليست لهم وحدهم، بل هي سوريا لكل أبنائها مهما اختلفت عقائدهم الشخصية الدينية وانتماءاتهم السياسية وأصولهم العرقية.

تعليقات »

  1. السؤال صعب و الجواب أصعب طالما هناك مجموعة من القوى كلْ منها يحاول جرّ سوريا في طريق . لا بد أن نكون أوعى في وجه التحديات التي تشغلنا عن الصورة الأكبر , و لكنني لا أستطيع أن أجزم و إنطلاقا مني حتى كل مواطن سوري انّني أسطيع أن أصمد أمام هذه الجدران الكبيرة (نظرة متشائمة للأسف ) لكنني أحاول………

    Comment بواسطة غفران — 3 اغسطس 2009 @ 9:21 ص | رد

    • عزيزتي غفران،
      أجمل ما في تعليقك هو إدراكك للمشهد الأسود الذي يصبغ سوريا واستمرار محاولتك رغم ذلك، وطالما أنك تحاولين وكل منا يحاول فلا أدعو هذا تشاؤماً بل هو عين التفاؤل مع فهم الواقع دون مبالغة، ولابد في النهاية أن تتحطم هذه الجدران الكبيرة ولو طال الزمن.
      تحيتي الخاصة لك.

      Comment بواسطة Free Man — 3 اغسطس 2009 @ 10:21 ص | رد

  2. مرحبا صديقي،
    أنا أرى شيء واحد إيجابي في هذا الوضع وهو أن هذه القوى انكشفت على حقيقتها، فلا يكذبوا علينا بعد الآن بالكلام عن العلمانية والقومية واليسارية الاشتراكية لقد اثبتوا أنهم يمينيين متطرفين حتى أكثر من المحافظين الجدد في أمريكا…

    Comment بواسطة yaser — 3 اغسطس 2009 @ 12:47 م | رد

  3. تبا لهم ولبعثهم الفاشي وقوميتهم الشوفينية وطائفيتهم المقيته

    الاسلام هوالحل

    Comment بواسطة احمد — 3 اغسطس 2009 @ 5:29 م | رد

    • هكذا وفقط الإسلام هو الحل؟ كيف؟ هل لأحد أن يخبرني؟

      Comment بواسطة Free Man — 3 اغسطس 2009 @ 5:39 م | رد

  4. تحية لك
    رؤيتك الواعية لكل ما يحصل
    كلماتك الأخيرة في هذا المقال
    إنتشلتني من اليأس
    وأعطتني الأمل

    هناك مؤامرة على سوريا كبيرة جداً
    كل يوم تزداد مخاوفي أكثر حين أقرأ ما يكتب في بعض المدونات عن أشياء لها علاقة بالدين
    أقرأ واقرأ…ثم أختنق .. أتصل بصديق لي..يسألني عن سبب تعاستي..
    أخبره عن قلقي
    “رح تجي أيام صعبة كتير”

    أفكر بعقليتهم التكفيرية الدنيوية
    بإسلوبهم اللانساني
    ورؤيتهم الضيقة الأنانية الإستبدادية
    وأفكر “بعد قرأتي لمسودة القانون” بهذه العصابة التي تريد أن تشعل البلد
    وأن تفرغنا من الإنسانية
    لتحكمنا عقلية النفاق

    لكني سأنتهي إلى الإرادة والأمل الذي أنهيت به مقالتك
    فلايمكن أن نحب وطننا بصدق ثم نقف محايدين

    ربما لن أتفق معك بكل ما سيأتي..وبكل الافكار
    لكني حتماً أتفق معك بهذه الرؤية التي عرضها

    -وأخيراً.. حاولت كثيرا أن لا أعلق على الموضوع
    لكني حقاً تأثرت بصراحتك وموضوعيتك ورأيك الحر
    مشروع قانون الأحوال الشخصية المقيت، وأقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متطرف وطائفي وذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث”.”
    أن تذكر انه ذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث

    Comment بواسطة decemberforever — 4 اغسطس 2009 @ 7:41 م | رد

  5. هناك مؤامرة على سوريا كبيرة جداً
    كل يوم تزداد مخاوفي أكثر حين أقرأ ما يكتب في بعض المدونات عن أشياء لها علاقة بالدين
    أقرأ واقرأ…ثم أختنق .. أتصل بصديق لي..يسألني عن سبب تعاستي..
    أخبره عن قلقي
    “رح تجي أيام صعبة كتير”

    أفكر بعقليتهم التكفيرية الدنيوية
    بإسلوبهم اللانساني
    ورؤيتهم الضيقة الأنانية الإستبدادية
    وأفكر “بعد قرأتي لمسودة القانون” بهذه العصابة التي تريد أن تشعل البلد
    وأن تفرغنا من الإنسانية
    لتحكمنا عقلية النفاق

    لكني سأنتهي إلى الإرادة والأمل الذي أنهيت به مقالتك
    فلايمكن أن نحب وطننا بصدق ثم نقف محايدين

    ربما لن أتفق معك بكل ما سيأتي..وبكل الافكار
    لكني حتماً أتفق معك بهذه الرؤية التي عرضها

    -وأخيراً.. حاولت كثيرا أن لا أعلق على الموضوع
    لكني حقاً تأثرت بصراحتك وموضوعيتك ورأيك الحر
    مشروع قانون الأحوال الشخصية المقيت، وأقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متطرف وطائفي وذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث”.”
    أن تذكر انه ذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث

    ما هذه القذارة في كلامك وحقدك والدين سوريا بلد اسلامي رغما عن انفك وانوف امثالك

    Comment بواسطة احمد — 4 اغسطس 2009 @ 9:00 م | رد

  6. بصراحة لم افهم -رداً على أي فكرة جاء التعليق السابق؟؟
    هذه المخاوف التي تحدثت ُعنها
    ما قرأته في بعض المدونات فيه إساءة للدين الإسلامي
    كما تسيىء انت الآن له وتظن نفسك حامي الحمى
    إسمع يا من تظن نفسك ولي الله على الأرض أنا مسلمة
    ويحزنني ما يفعلونه ويقولونه باسم الإسلام ممن يبدؤون بالتكفير والتهجم
    لا سبب بل ليغطوا ضعفهم
    تمنيت ولو شخص واحد ممن يكتبون بأسلوبك أن يناقشني بفكرة واحدة فقط
    بدلا من الكلام البذيء و إلقاء الأحكام على الناس
    ماذا عن أخلاق الرسول ؟؟؟
    سأذكر لك بعضا مما عرفته عن أخلاقه العظيمة وعن الدين الذي جاء به وهو احترام الناس
    عدم التوجه للناس بإسلوب بذيء وعدم التسرع وعدم الظن
    والمحبة و الإنسانية و الاخلاق الرفيعة

    فقط أريد أن أخبرك أن الإسلام دين محبة وتعايش وليس كما يحاول البعض أن يطبقه أو يصوره أنه إرهابي
    إقرأ إي نقاش كتب عن الدين بشكل عام أو عن الإسلام
    تجد مجموعة تتناقش وتتبادل الأراء.. كل طرف يعرض أفكاره للتوصل إلى الفكرة الأكثر صحة
    إلا مجموعة من الناس تحاول فرض إرهاب لمجرد ذكر كلمة دين
    وكأن هؤلاء الذين يتناقشون بعقلانية وبمنطق وبرقي..هم كفار..
    والذين يفرضون أحكامهم الهمجية بالقوة..هم أصحاب الإيمان الحقيقي

    يبدو لي أن ما وصفت ُ به هؤلاء الناس التكفيرين قد أزعجك
    وهذا واضح من إسلوبك.
    وأقتبس من صاحب المدونة “سوريا لكل أبنائها مهما اختلفت عقائدهم الشخصية الدينية وانتماءاتهم السياسية وأصولهم العرقية.”

    Comment بواسطة decemberforever — 5 اغسطس 2009 @ 1:57 ص | رد

  7. لا شيء عندي أضيفه..
    لكن أمرّ واقرأ غالباً بصمت..
    شكراً لوجودك..

    Comment بواسطة medaad — 10 اغسطس 2009 @ 2:46 م | رد

  8. أعتذر من الجميع عن تأخري في الرد،
    عزيزي ياسر:
    لن تكتمل الإيجابية حتى نتفاعل مع كل حدث بما يستحقه منا.
    عزيزتي “ديسمبر فورفر”:
    فعلاً سوف تأتي أيام أصعب مما نعيشها الآن، ولكن إن لم نشعل شمعنا في هذه الظلمة الحالكة لن نستحق أن نعيش النور في المستقبل، وأسعدني جداً أن كان لمقالي هذا التأثير في بث التفاؤل في روحك الطيبة حتى وإن اختلفنا الآن أو في المستقبل حول بعض الأفكار، إلا أن هدفنا واحد “سوريا الحضارة لك أبنائها”
    صديقي العزيز نايثن:
    يكفيني أن أعلم أنك هنا دائماً حتى وإن كنت صامتاً وأنا أعلم ذلك، فسعادتي تكتمل بوجدك أمثالك بجانبي.

    مع خالص التحية للجميع

    Comment بواسطة Free Man — 10 اغسطس 2009 @ 5:41 م | رد

  9. أنا من المتابعين الدائمين لمدونتك وأحييك على طرحك وحديثك عن هذه القضايا التي يجب أن نلتفت اليها مبكرا حتى لا يقع الفاس بالراس. نقطة مهمة يجب التركيز عليها وهي ما ذكرته الأخت ديسمبر فورايفر والتي تعنى بأن التطبيق المغلوط والذي ينسب للفكر الاسلامي هو من أخطر ما تمر به البلاد. والنموذج الذي أخبر عنه الكواكبي (عندما يتزاوج الاستبداد السياسي مع الاستبداد الديني) يشكل أخطر لعنة من الممكن أن تحل على البلاد والعباد.
    لا أستطيع استيعاب فكرة أن الدين من الممكن استخدامه كذريعة للإهلاك واقصاء الرأي الآخر وعدم احترام وجوده، وخصوصا في بلد متعدد الأعراق والمذاهب والأفكار. للأسف شعوبنا تساق وراء عواطفها الدينية وتعجز عن رؤيةالمستقبل الذي ينتظرها ان هي انجرت وراء الأفكار السوداوية التي كرست بعض الرموز الدينية وقتها للتبشير بها على نسق متخبط ويدعي مستقبلا أفضل في ظاهره وفي باطنه هو الشر الأكبر.
    تحية لقلمك أيها الرجل الحر!

    Comment بواسطة وائل العلواني — 13 اغسطس 2009 @ 2:50 ص | رد

  10. عزيزي وائل،

    يسعدني أن أعلم أنك من المتابعين لأن متابعة المهتمين بالشأن السوري تقدم لي العون.
    وأعتقد أنك اختصرت الكثير مما يمكن أن يقال عندما نقلت قول الكواكبي.

    مع خالص التحية لك

    Comment بواسطة Free Man — 13 اغسطس 2009 @ 3:42 ص | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

أضف تعليق

المدونة لدى WordPress.com.